{نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ..} [الأنعام: 151] وقدَّم الآباء على الأولاد؛ لانشغال نفوسهم برزقها أولاً.
والسبب الثاني: أن يكون عنده ما يكفيه، إنما يخشى الفقر إن جاءه أولاد، وفي هذه قال سبحانه:
{وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ..} [الإسراء: 31] وقدَّم الأولاد على الآباء، فنحن نرزق الأبناء الذين تخافون الفقر بسببهم قبل أنْ نرزقكم، إذن: فكلّ آية مُذيَّلة بما يناسبها.
كذلك قُلْنا في مسألة السمع والبصر في قوله تعالى:
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ} [القصص: 71] وذكر هنا السمع لأنه وسيلة الالتقاء في ظلمة الليل، وبه يستدعي الإنسان إنْ كان نائماً.
أما في آية النهار، فقال سبحانه:
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ} [القصص: 72] لأن البصر لا يكون إلا في ضوء النهار.
ومعنى {مَّثَانِيَ ..} [الزمر: 23] يعني: مَثْنى يُقَال: مرة واثنين وثلاثة، أو: يثنى في الصلاة حيث نقرأ الفاتحة ثم سورة بعدها، وفي الركعة الثانية كذلك.
وقوله: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ..} [الزمر: 23] وهذه صفة العبد الذي يخشى ربه ويراقبه ويعمل لنظره إليه حساباً، لأنه دائماً يعرض سلوكه على ربه، فإنْ رأى فيه مخالفة عاد إلى كلام الله وتذكَّر وعيده فيحدث عنده قشعريرة في جلده من خشية ربه، وهي أنْ يجفّ الجلد ويقعقع وتحدث رعشة في البدن من خوف العذاب، ومن خوف غضب الله، ثم يعود فيتذكر رحمة ربه التي سبقتْ غضبه، وعفوه الذي سبق عقوبته، فيعود إلى حالته الأولى: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23] .
إذن: المؤمن يجمع بين الخوف والرجاء، وقلبه بين هذين الأمرين، فساعةَ يتذكر العقاب على المخالفة يقشعر جلده خوفاً، وساعة يتذكر رحمة ربه يلين جلده ويهدأ قلبه، ولِمَ لا وربه قد قال: