الصفة الثانية: من صفات القرآن قوله تعالى: {كتابا متشابها} أما الكتاب فقد فسرناه في قوله تعالى: {ذلك الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2] وأما كونه متشابهاً فاعلم أن هذه الآية تدل على أن القرآن كله متشابه.
وقوله: {هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيات محكمات هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ متشابهات} [آل عمران: 7] يدل على كون البعض متشابهاً دون البعض.
وأما كونه كله متشابهاً كما في هذه الآية ، فقال ابن عباس: معناه أنه يشبه بعضه بعضاً ، وأقول هذا التشابه يحصل في أمور أحدها: أن الكاتب البليغ إذا كتب كتاباً طويلاً ، فإنه يكون بعض كلماته فصيحاً ، ويكون البعض غير فصيح ، والقرآن يخالف ذلك فإنه فصيح كامل الفصاحة بجميع أجزائه وثانيها: أن الفصيح إذا كتب كتاباً في واقعة بألفاظ فصيحة فلو كتب كتاباً آخر في غير تلك الواقعة كان الغالب أن كلامه في الكتاب الثاني غير كلامه في الكتاب الأول ، والله تعالى حكى قصة موسى عليه السلام في مواضع كثيرة من القرآن وكلها متساوية متشابهة في الفصاحة وثالثها: أن كل ما فيه من الآيات والبيانات فإنه يقوي بعضها بعضاً ويؤكد بعضها بعضاً ورابعها: أن هذه الأنواع الكثيرة من العلوم التي عددناها متشابهة متشاركة في أن المقصود منها بأسرها الدعوة إلى الدين وتقرير عظمة الله ، ولذلك فإنك لا ترى قصة من القصص إلا ويكون محصلها المقصود الذي ذكرناه ، فهذا هو المراد من كونه متشابهاً ، والله الهادي.