السادس: أن المعقول من تأثير هذه الكواكب في العالم السفلي هو أنها بحسب مساقط شعاعاتها تسخن هذا العالم أنواعا من السخونة فأما تأثيراتها في حصول الأحوال النفسانية من الذكاء والبلادة والسعادة والشقاوة وحسن الخلق وقبحه والغنى والفقر والهم والسرور واللذة والألم فلو كان معلوما لكان طريق علمه أما بالخبر الذي لا يجوز عليه الكذب أو الحس الذي يشترك فيه الناس أو ضرورة العقل أو نظره وشيء من هذا كله غير موجود البتة فالقول به باطل ولا يمكن للإحكاميين أن يدعوا واحدًا من الثلاثة الأول وغايتهم أن يدعوا أن النظر والتجربة قادهم إلى ذلك وأوقعهم عليه ونحن نبين فساد هذا النظر والتجربة بما لا يمكن دفعه من الوجوه التي ذكرناها ونذكر غيرها مما هو مثلها وأقوى منها وكل علم صحيح فله براهين يستند إليها تنتهي إلى الحس أو ضرورة العقل
وأما هذا العلم فلا ينتهي إلا إلى جحد وتخمين وظنون لا تغنى من الحق شيئا وغاية أهله تقليد من لم يقم دليل على صدقه.
السابع: أنا إذا فرضنا أن رجلين سألا منجمين في وقت واحد في بلد واحد عن خصمين أيهما الظافر بصاحبه فههنا يكون الطالع مشتركًا بين كل واحد من ذينك الخصمين فإن دل ذلك الطالع على حال الغالب والمغلوب مع كونه مشتركًا بين الخصمين لزم كون كل منهما غالبًا لخصمه ومغلوبًا من جانبه وذلك محال.
الثامن: أنا نشاهد عالمًا كثيرًا يقتلون في ساعة واحدة في حرب وخلقًا يغرقون في ساعة واحدة مع القطع باختلاف طوالعهم واقتضائها عندكم أحوالا مختلفة ولو كان للطوالع تأثير في هذا لامتنع عند اختلافها الاشتراك في ذلك.
التاسع: أنا نرى الجيشين العظيمين والحزبين المتقابلين يقتتلان ويختصمان وقد أخذ طالع الوقت لكل منهما ومع هذا فالمنصور والغالب أحدهما مع أن الطالع واحد ولا ينفعكم في هذا جواب من انتصر لكم بأنه لا مانع من القول بخطأ الأخذ للطالع في الحساب والحكم فإنه لو أخذ لهما أي طالع كان لم يكن الغالب إلا أحدهما حتى لو كان الطالع قطعًا لا يتصور فيه الغلط لم يكن بد من كون أحدهما غالبا والآخر مغلوبا وهذا يبطل مذهب الأحكام بلا ريب.