والمعنى: أي ألم يعتبروا بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل: كعاد، وثمود. وأنهم لا رجعة لهم إلى الدنيا، كما تعتقد الدهرية جهلًا منهم، بأنهم يعودون إليها كما كانوا، وهذه الآية ترد قول أهل الرجعة؛ أي: من يزعم أن من الخلق من يرجع إلى الدنيا قبل القيامة بعد الموت، كما حكي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنه قيل له: إن قومًا يزعمون أن عليًا - رضي الله عنه - مبعوث قبل يوم القيامة، فقال ابن عباس: بئس القوم نحن، إذا نكحنا نساءه وقسمنا ميراثه؛ أي: لو كان راجعًا إلى الدنيا لكان حيًا، والحي لا تنكح نساؤه، ولا يقسم ميراثه، كما قال الفقهاء إذا بلغ إلى المرأة وفاة زوجها، فاعتدت وتزوجت وولدت، ثم جاء زوجها الأول فهي امرأته؛ لأنها كانت منكوحته، ولم يعترض شيء من أسباب الفرقة، فبقيت على النكاح السابق، ولكن لا يقربها حتى تنقضي عدتها من النكاح الثاني.
ويجب إكفار الروافض في قولهم: بأن عليًا وأصحابه يرجعون إلى الدنيا، فينتقمون من أعدائهم، ويملؤون الأرض قسطًا كما ملئت جورًا، وذلك القول مخالف للنص.
32 -وبعد أن ذكر أنه أهلكهم وبيّن طريق ذلك، أعقب هذا بأن لهم حسابًا وعقابًا، فقال: {وَإِنْ} نافية أو مخففة {كُلٌّ} تنوينه عوض عن المضاف إليه {لَمَّا} بالتشديد بمعنى: إلا على القول: بأن {إِنْ} : نافية، وبالتخفيف على أن اللام هي الفارقة، و {ما} : زائدة على القول: بأن {إِنْ} : مخففة من الثقيلة. {جَمِيعٌ} فعيل بمعنى مفعول، جمع بين كل وجميع؛ لأن الكل يفيد الإحاطة دون الاجتماع، والجميع يفيد أن المحشر يجمعهم، ولدينا بمعنى عندنا، ظرف لجميع أو لـ {مُحْضَرُونَ} والمعنى على التشديد: وما كل الخلائق إلا مجموعون لدينا، محضرون عندنا للحساب والجزاء، وعلى التخفيف. وإنه كل الخلائق لمجموعون عندنا، محضرون لدينا للحساب والجزاء.