هاتان الآيتان وما بعدهما تأكيد لمعاني الآية السابقة، وتقرير لتصميم المشركين على شركهم، وعدم إذعانهم للحق بتمثيل حالهم بحال من جعلت الأَغلال في أَعناقهم منتهية إِلى أَذقانهم، فلا تدعهم يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أَعناقهم نحوه، ولا يطأْطئون رءُوسهم له فهم مقمحون رافعون رءُوسَهم غاضون أبصارهم بحيث لا يكادون يرون الحق، أو يلتفتون إلى جهته.
وقوله - تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} : من تمام التمثيل وتكميله، أَي: وجعلنا مع ما ذكر من الأَغلال أَمامهم سدًّا عظيمًا، ووراءَهم سَدًّا مثله. فأَغشيناهم بذلك، وغطينا أَبصارهم فهم لا يقدرون على إبصار شيءٍ أَصلا لا من أَمامهم ولا من خلفهم.
ويصح أَن يكون تمثيلا مستقلا، فإن جعلهم بين سدين هائلين يغطي أبصارهم بحيث لا يبصرون شيئًا، ويعطي صورة جديدة تنم عن كمال فظاعة حالهم، وكونهم محبوسين في مطمورة الغيّ والجهالات محرومين من النظر والانتفاع بالأَدلة والآيات.
وقيل: الآيتان في بني مخزوم، وذلك أَن أَبا جهل حلف لئن رأَى محمدا - صلى الله عليه وسلم - يصلي ليرضخن رأسه، فأَتاه وهو يصلي، ومعه حجر ليدمغه، فلما رفع يده انثنت إِلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد، فرجع إلى قومه فأَخبرهم.
والأولى أَن تبقى الآية على عمومها متممة لسياق الآيات قبلها وبعدها، ولا مانع أَن يكون أَبو جهل ضمن ما اشتملت عليهم من المشركين الذين حق القول على أَكثرهم، وتكون الآية من قوله - تعالى:
10 - {وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} :
بيانًا لشأنهم بطريق التصريح إثر بيانه بطريق التمثيل، أَي: ويستوي عند هؤُلاء المشركين المصرين على الكفر إنذارك إياهم وعدم إنذارك فقد اختاروا لأَنفسهم، وحق عليهم العذاب والنكال.
وقوله: {لَا يُؤْمِنُونَ} استئناف مؤكد لما قبله، موضح لإجمال ما فيه الاستواءِ.