المعصية في عبادته دون صنعها والعصيان لا يكون بصنعها بل بعبادتها كصنع الآت اللهو
فإن المعصية تقع بفعل العبد الاختياري.
قوله: (وهو ممن آمن بمُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - وبَيْنَهُمَا ستمائة سنة) إشَارَة إلَى أن غيره آمن بنبينا
عَلَيْهِ السَّلَامُ قبل وجوده كإيمان تُبَّع كما نقله بعضهم عن السير وكتب الْحَديث. وقيل
والإيمان بنبينا قبل وجوده من خصائصه عَلَيْهِ السَّلَامُ. قال الإمام: حيث صار من العلماء
بكتاب الله تَعَالَى ورأى في بعث مُحَمَّد صلى الله تَعَالَى عليه وسلم وبعثته. ولعل الْمُرَاد
بالإيمان الإيمان بحقيته دون الإيمان مع التزام ما جاء به فإنه بعد وجود الإرسال بالْفعْل فلا
يلزم أن يكون من أمة مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَامُ، والإيمان بهذا الْمَعْنَى واقع من جمع كثير وجم
غفير ويؤيد ما قلنا قَوْلُه تَعَالَى:(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ
جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ)الآية. ولا يعرف وجه تعرضه
إيمان الحبيب هنا.
قوله: (وقيل كان في غار يعبد الله فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه) وقبل كان
في غار الخ. قريب إنطاكية الْحَمْدُ للَّه الذي رزقنا بزيارة هذا الغار فوجدناه ضيقًا ودخلناه
وتلونا الْقُرْآن العظيم فيه وشاهدنا آثار عكوفه رضي الله عنه فيه حيث وجدنا فيه روحانية
ومهابة ولذة المناجاة نفعنا الله بشفاعته في يوم التناد مع سائر العباد والزهاد. قوله أظهر
دينه فيه رد عَلَى من قال إن إيمانه بيد الرسل ويؤيده حديث"سباق الأمم ثلاثة لم يَكْفُرُوا"
بالله طرفة عين عَلَي كرم الله [وجهه] وصاحب يس ومؤمن آل فرْعَوْنَ"الْحَديث. مرضه لأن"
الْمَشْهُور كونه مخالطًا للناس وإن كان يعبد الله تَعَالَى في الغار في بعض الأحيان إذ
الخلطة أفضل من العزلة عند الأكثرين. والظَّاهر أن عبادته عَلَى شرع قديم والْمُتَبَادَر شرع
مُوسَى قبل مجيء الرسل وكونه متعبدًا بشرع نبينا عَلَيْهِ السَّلَامُ بعيد جدًا؛ إذ تفصيله لم
يعلم [حِينَئِذٍ] ولو فرض صحة ذلك لوضح بيان أنه ممن آمن بنبينا عَلَيْهِ السَّلَامُ كإيمان تبع
وورقة بن نوفل لكنهم لم يبينوا بيانًا شافيًا. والظَّاهر ما بيناه من أن الْمُرَاد الإيمان بحقيقته
وبما جاء به إجمالا وهو الْمُرَاد بقولهم ولم يؤمن نبي غيره عَلَيْهِ السَّلَامُ قبل مبعثه والله
أعلم بحَقيقَة الحال وإليه المرجع والمآل.
قوله: (قال) اسْتئْنَاف معاني ولذا ترك العطف (يَا قَوْم) النداء ليكون
متهيئاً لإصغاء ما ألقي إليهم، والتَّعْبير بالقوم لقصد العموم والْإضَافَة إلَى نفسه لاستمالتهم
القبول والتعرض لعنوان الرسالة حثًّا لهم عَلَى اتباعهم ببيان علة الاتباع وهو كونهم مرسلين
منْ عنْد اللَّه تَعَالَى بالآيات الظَّاهرَة الدَّالَّة عَلَى الرسالة ثم كرر اتبعوا للتأكيد ولبيان علة
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: وقيل كان في غار يعبد الله فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقاول الكفرة فقَالُوا
أو أنت تخالف دينا فوثبوا عليه وقتلوه. وقيل رجموه وهو يقول اللهم اهد قومي، وقبره في سوق
إنطاكية فلما قتل غضب الله عليهم فأهلكوا بصيحة جبريل.