وإعادة فعل {وجعلنا} على الوجه الأول في معنى قوله: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً} [يس: 8] الآية ، تأكيد لهذا الجعل ، وأما على الوجه الثاني في معنى {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً} فإعادة فعل {وجعلنا} لأنه جَعْل حاصل في الدُّنيا فهو مغاير للجعل الحاصل يوم القيامة.
وقرأ الجمهور {سداً} بالضم وهو اسم الجدار الذي يَسُدّ بين داخل وخارج.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف بالفتح وهو مصدر سمي به ما يُسد به.
{خَلْفِهِمْ سَدّاً فأغشيناهم فَهُمْ} .
تفريع على كلا الفعلين {جعلنا في أعناقهم أغلالاً} [يس: 8] و {جعلنا من بين أيديهم سُدّاً ومن خلفهم سداً} لأن في كلا الفعلين مانعاً من أحوال النظر.
وفي الكلام اكتفاء عن ذكر ما يتفرع ثانياً على تمثيلهم بمن جعلوا بين سُدين من عدم استطاعة التحول عمّا هم عليه.
والإِغشاء: وضع الغشاء.
وهو ما يغطي الشيء.
والمراد: أغشينا أبصارهم ، ففي الكلام حذف مضاف دلّ عليه السياق وأكّده التفريع بقوله: {فهم لا يبصرون} .
وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي لإِفادة تقوي الحكم ، أي تحقيق عدم إبصارهم.
وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10)
عطف على جملة {لا يبصرون} [يس: 9] ، أي إنذارَك وعدمه سواء بالنسبة إليهم ، فحرف (على) معناه الاستعلاء المجازي وهو هنا الملابسة ، متعلق بـ {سواء} الدال على معنى (استوى) ، وتقدم نظيرها في أول سورة البقرة.
وهمزة التسوية أصلها الاستفهام ثم استعملت في التسوية على سبيل المجاز المرسل ، وشاع ذلك حتى عدّت التسوية من معاني الهمزة لكثرة استعمالها في ذلك مع كلمة سواء وهي تفيد المصدرية.
ولما استعملت الهمزة في معنى التسوية استعملت {أم} في معنى الواو ، وقد جاء على الاستعمال الحقيقي قول بُثيْنة:
سواء علينا يا جميلُ بن مَعمر
إذَا مِتَّ بأساءُ الحياةِ ولينُها...