وبيَّن الحديث الأول: أن ما تسبب عن عمل المرء يعد أثراً لعمله عندما يعمل به في حياته مثلما يعمل به بعد مماته، إذ الذي جاء بالصرة أولاً قد تسبب في مجيئه مجيء من بعده على إثره، والحديث سيق في شأنهم؛ فتكون حالتهم أول ما يشمل.
كما بين الحديث الثاني: أن أثر القول كأثر الفعل، إذ الكل عمل.
وبين الحديثان: أن نيل المرء جزاء عمله الذي لم يباشره لا ينقص من جزاء العامل المباشر شيئا.
تنبيه:
من صورة الواقعة التي ورد فيها الحديث الأول علمنا: أن المراد بمن سن سنة حسنة أو سيئة، هو من ابتدأ طريقاً من الخير في أعمال البر والإحسان، وما ينتفع به الناس من شئون الحياة. ولا يشمل ذلك ما يحدثه المحدثون من البدع في العبادات من الزيادات والاختراعات، إذ الزيادة على ما وضعه الشرع من العبادات وحدده افتيات (2) عليه واستنقاص له؛ وهذه هي البدعة التي قال فيها النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار
تحذير:
على العاقل - وقد علم أنه محاسب على أفعاله وعلى آثار أقواله - ألاّ يفعل فعلاً ولا يقول قولاً حتى ينظر في عواقبه، فقد تكون تلك العواقب أضر عليه من أصل القول وأصل الفعل؛ فقد يقول القول مرة، ويفعل الفعل مرة، ثم يقتدي به فيه آلاف عديدة في أزمنة متطاولة.
حقاً إن هذا لشيء تنخلع منه القلوب، وترتعد منه الفرائص، وصدق القائل من السلف رضي الله عنهم:"السعيد من ماتت معه سيئاته".
الإحصاء العام في الكتاب الإمام:
{وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} .
لما أعلم العباد بأنه يكتب لهم وعليهم أعمالهم، أعلمهم بأنه تعالى قد كتب كل الأشياء لا خصوص أعمالهم تعميماً بعد تخصيص.
(الإحصاء) تحصيل الشيء بالعد وضبطه والإحاطة به.
(الإمام) ما يؤتم ويقتدى به، والكتاب إمام لأنه يتبع فيؤخذ بما فيه ويعتمد عليه.
و (المبين) المظهر لما فيه، فكل ما فيه ظاهر فيه.
أصل الكلام: أحصينا كل شيء أحصيناه. فحذف أحصينا الأول لدلالة الثاني، فكان هذا أقوى في ثبوت الإحصاء ووقوعه على كل شيء.
المعنى: