إذن أنت أيها الخليفة لله في الأرض ليس لك أن تستقبل أمر الله في افعل كذا ولا تفعل كذا بالطاعة والانقياد، فإنْ كفرتَ بعد ذلك {فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} فاطر 39 كفرت يعني لم تُطع افعل ولا تفعل، والكفر يعني الستر، وكفر بالله يعني ستره، كأن الله كان ظاهراً، فستره الكافر بكفره لذلك قلنا إن الكفر أول دليل على الإيمان، فلولا وجود الله ما كان الكفر. وكما أن هناك كفراً بالله الذي استخلفك، هناك كفر بما اسْتُخْلِفْتَ فيه، كُفْر بالنعمة بأنْ تنسى واهبها لك والمنعِم عليك بها، ومن كفر النعمة أن تكسل عن استنباطها واستخراجها من باطن الأرض، وتتركها مطمورة لا ينتفع الناس بها، ومن كُفْر النعمة أيضاً ألاَّ تؤدي حقَّ الله فيها، وأنْ تسترها عن مُستحقها المحتاج إليه. وما يعانيه العالم الآن من أزمات في القوت ومجاعات ما هو إلا نتيجة طبيعية لكفر النعمة، إما بالتكاسل والقعود عن استنباطها، وإما نستنبطها لكن تشح بها نفوسنا وتبخل، بدليل أننا عِشْنا فترة طويلة في الوادي الضيق، ولم نحاول ولم نحاول استنباط خيرات الصحراء، فلما تنبهنا إلى ضرورة غزو الصحراء وتعميرها أصابنا هوس الاستنباط، فزرعنا الترف ولم نزرع الضروريات فتجد السوق عندنا مليئاً بالبرتقال والموز والعنب والكنتالوب والفراولة .. الخ ونحن نشحت رغيف العيش، ونستجدي غيرنا ضروريات حياتنا. إذن الجزاء هنا من جنس العمل {فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} فاطر 39 أي يُجزى به، فالذي كفر بالمنعِم له جزاؤه، وجزاؤه العذاب في الآخرة، والذي كفر بالنعمة له جزاؤه، وجزاؤه أنْ يموت جوعاً وأنْ يُذلَّ لغيره، وإنْ ذُلَّ لغيره فلن ينفذ أمراً ولا نهياً، ولن يهتم بدين ولا بمنهج. ورحم الله أجدادنا الذين قالوا اللي لقمته من فاسه كلمته من راسه. ثم يقول سبحانه مُبيِّناً عاقبة الكفر {وَلاَ يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلاَ يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً} فاطر 39 نعم، الكفر يُزيد صاحبه مَقْتاً وكراهية من الله عز وجل لأنك كفرت بمَنْ؟ كفرتَ بالله ربك وخالقك ورازقك وواهبك النِّعَم، وكل كفر بشيء من هذا يستوجب لك كراهية وبُغْضاً من الله، وهذا البغض يزيد بالاستمرار في الكفر والتصميم عليه، ثم بعد هذا كله يزيد الكفر صاحبه {خَسَاراً} فاطر 39 وأيُّ خسارة بعد الكفر بالله، الخسارة هنا كبيرة لأنها هلاك وخسران لخيرَيْ