فمن قابل دعوة الإسلام بالإعراض والعناد، وخالف فطرته، وعاكس عقله، كان حقيقاً بهذا العقاب الشديد من طمس البصيرة، والطبع على القلب؛ فذكر الله لنا هذه العقوبة بهذا التمثيل البليغ، الذي صورها في أبشع وأفظع صورة؛ ليحذرنا من الإعراض عن الحق والعناد له، ويخوفنا بعاقبة ذلك على أهله.
تعليم:
لكل إنسان فطرته وعقله، فعلينا إذا دعينا إلى شيء أن نعرضه عليهما راجعين إلى الفطرة الإنسانية وإلى العقل البشري منزهين عن الأغراض والأهواء والأوهام والشبهات.
فإذا كان هلاك هؤلاء بعدم الاستفادة منهما، فإن النجاة عندما تعرض الأمور بالرجوع إليهما.
ونجد القرآن العظيم يخاطب العقل والفطرة؛ ليعلمنا الرجوع إليهما والاستفادة منهما.
من استوى عنده الانذار وعدم الانذار لا يرجى منه إيمان:
{وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10) } [بس:10] .
لما ذكر - تعالى - عدم إيمانهم لما سبق من علم الله فيهم ذكر هنا سبباً آخر لذلك، وهو استواء الإنذار وعدمه لديهم.
ذكر هذا السبب إثر ما تقدم من وصف حالهم في شدة الإعراض، للتنبيه على أن من فسدت فطرته، وانطمس عقله، يستوي عنده الإنذار وعدمه، فلا يكون منه إيمان على كل حال.
{سواء} بمعنى مستو. والهمزة الأولى (1) أصلها للاستفهام، وليس مراداً هنا، وتسمى في مثل هذا التركيب همزة التسوية، لوقوعها بعد لفظها، ودخولها على الأول من أمرين يراد التسوية ما بينهما. وهي حينئذ من أدوات السبك ولذا يكون تأويل الكلام هكذا: سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك.
المعنى:
إن أكثر أهل مكة الذين حكم الله بعدم إيمانهم، بلغوا من شدة الإعراض والعناد إلى حيث استوى عندهم الضدان: الإنذار وعدم الإنذار، فمحقق منهم عدم الإيمان ومأيوس من صدوره من ناحيتهم.
تحذير:
يذكر الله - تعالى - حالة هؤلاء الذين استوى عندهم الشيء وضده، يحذرنا منها، ومما يؤدي إليها، من إهمال الفطرة وترك النظر.