فصلت 21. فإذا كنتَ تريد عملاً من الأعمال، هذا العمل يتطلب منك أولاً طاقة عقلية فكرية تخطط له، ثم يتطلب قوة في الجوارح لتفعل، مَنِ الذي خلق لك العقل المفكر؟ ومَنِ الذي أمدَّ جوارحك بالقوة والطاقة الفاعلة؟ أهي تأتمر لك وتفعل مطلوبك بقوة ذاتية فيك؟ أم بتقدير الله لها؟ إذن عليم أنْ تُقبل على كل فعل، فكراً وتخطيطاً وتنفيذاً وعملاً بقولك بسم الله، وحين تقولها فكأنك تقول للجوارح أنا لا أطلب منك بقوتي، ولكن من باطن قوة بسم الله، فبسم الله أفعل لا بي. بدليل أن الله تعالى إنْ أراد سلب الإنسان ذاتية الحركة وذاتية الطاقة والفكر فتُشَلّ الجوارح ويُشَلّ التفكير، إذن أقْبل على كل أعمالك ببسم الله الذي يُعينك عليها. ثم أنت في الأعمال تحتاج إلى حكمة، وإلى قدرة، وإلى علم .. الخ، فمَن الجامع لكل هذه الصفات؟ إنه الله. إذن فقُلْ بسم الله الجامع لصفات الكمال كله الممِدّ خَلْقه بها، فهو سبحان العالم الذي يمدّك بالعلم، القادر الذي يمدك بالقدرة، الحكيم الذي يمدّك بالحكمة، العزيز الذي يمدّك بالعزة، القهار الذي يمدّك بالقهر .. الخ. ألسنا نسمع القاضي يقول عندما يجلس للحكم بآسم الشعب يعني هو لا يحكم بذاته، إنما يحكم بقوة الشعب، كذلك المؤمن يقول بسم الله عند كل عمل يعني أيتها الجوارح، أطيعيني من باطن طاعتك لله. ثم يصف الحق سبحانه نفسه بقوله
{الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}
الفاتحة 1 لأن الحق سبحانه خلق الخَلْق مختارين، فكان منهم المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، وربما غفل الإنسان عن منهج الله فصدرتْ منه صغائر بل وكبائر، فكيف يقبل على عمله ببسم الله؟ وكيف يستعين به سبحانه وقد عصاه.
لذلك يقول له ربه عز وجل لا تستح أنْ تقول بسم الله، لأنني رحمن رحيم، أغفر لك وأتجاوز عَمَّا كان منك، ولن أتخلَّى عنك، إذن تشجَّع ولا تترك الاستعانة باسمي مهما كان منك من ذنوب، واعتمد في ذلك على أنِّي رحمن رحيم. وقد رُوِي أن الأصمعي سمع رجلاً يقول - وهو يطوف بالكعبة - اللهم إني عاصيك وأستحي أنْ أطلب منك، لكن أطلب مِمَّنْ، وليس في الكون إلا أنت؟ فقال له الأصمعي يا هذا، إن ربك قد أجابك لحُسن مسألتك له. والحق سبحانه وتعالى حين يُعدِّد نعمه على عباده يقول
{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}