وحين تتأمل حروف العربية تجدها ثمانية وعشرين حرفاً، والحروف المقطَّعة في القرآن أربعة عشر، فهي إذن نصف الحروف العربية. وللفخر الرازي - رحمه الله - جدول مدهش ينظم هذه الحروف، ويوضح أنها وُضعِت هكذا لحكمة، ووُضِعَتْ بقدر وحساب، هذه الحروف الأربعة عشر تقسم كما يلي مجموع حروف اللغة ثمانية وعشرون حرفاً، التسعة الأوائل بداية من الألف إلى الذال لم تأخذ الحروف المقطعة منها إلا حرفين الألف والحاء، وتركت منها سبعة أحرف أما التسعة أحرف الأخيرة، وتبدأ من الفاء فقد أخذتْ منها الحروف المقطعة سبعة أحرف هي القاف والكاف واللام والميم والنون والهاء والياء وتركتْ منها الفاء والواو، فهي إذن على عكس التسعة الأُول. أما الحروف العشرة في الوسط، والتي تبدأ من الراء وتنتهي بالغين، فلها نَسَق آخر، حيث أخذت الحروفُ المقطعة منها الأحرف غير المنقوطة، وهي الراء والسين والصاد والطاء والعين، وتركت منها الزاي والشين والضاد والظاء والغين. كذلك حين نتأمل مثلاً حروف الحَلْق تجد الخاء في المجموعة الأولى لم تُذكر في الحروف المقطعة، وذُكِرت الميم في المجموعة الأخيرة. وهكذا نرى أن هذه الحروف لم تُوضع هكذا اعتباطاً أو كما اتفق، إنما وُضِعت بقدر ونظام له حكمة ووراءه أسرار، وُضِعت بهندسة مقصودة الذات فهي مثل سنان المفتاح، والله سبحانه وتعالى يفتح بها لمَنْ يشاء، ومن حكمته تعالى أنه لم يُعْطِ كل أسرار هذه الحروف لجيل من الأجيال، إنما وزَّع عطاءها على مَرِّ الأزمان بحيث لا يستقبل جيل من الأجيال كلامَ الله بلا عطاء، وليظل القرآن نوراً يضيء جنبات الدنيا إلى قيام الساعة لذلك يقول سبحانه
{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}
فصلت 53. هذه السين الدالة على الاستقبال نطق بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال
{سَنُرِيهِمْ}