وقوله (إني إذا لفي ضلال مبين) والرب هو الذي يهدي من الضلال لأن الرب هو المربي والمرشد والمعلم. والهداية من أبرز صفات الرب ولذلك كثيراً ما تقترن الهداية باسم الرب وذلك نحو قوله تعالى (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى(49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) طه) وقوله (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(161) الأنعام) فناسب ذلك ذكر الرب. وهناك أمر آخر حسّن ذكر الرب وهو قوله (أأتخذ من دونه آلهة) أي لا أتخذ من دونه إلهاً أي معبوداً. وقال ههنا (إني آمنت بربكم) فجعله هو الإله وهو الرب فهو إلهه وربه وبذلك جمع له بين الألوهية والربوبية.
جاء في التفسير الكبير:"في المخاطب بقوله (بربكم) وجوه:"
(أحدهما) هم المرسلون. قال المفسرون أقبل القوم عليه يريدون قتله فأقبل هو على المرسلين وقال: إني آمنت بربكم فاسمعوا قولي واشهدوا لي.
و (ثانيهما) هم الكفار كأنه نصحهم وما نفعهم، قال فأنا آمنت فاسمعون.
و (ثالثهما) بربكم أيها السامعون فاسمعون على العموم كما قلنا في قول الواعظ حيث يقول: يا مسكين ما أكثر أملك وما أنزر عملك، يريد به كل سامع يسمعه وفي قوله (فاسمعون) فوائد:
(احدها) أنه كلام مترو متفكر حيث قال (فاسمعون) فإن المتكلم إذا كان يعلم أن لكلامه حماعة سامعين يتفكر.
و (ثانيها) أنه ينبه القوم ويقول: إني أخبرتكم بما فعلت حتى لا تقولوا لم أخفيت عنا أمرك ولو أظهرت لآمنا معك.
و (ثالثها) أن يكون المراد السماع الذي بمعنى القبول يقول القائل نصحته فسمع قولي أي قبله.
فإن قلت لم قال من قبل (ومالي لا أعبد الذي فطرني) وقال ههنا (آمنت بربكم) ولم يقل آمنت بربي؟ نقول قولنا الخطاب مع الرسل أمر ظاهر لأنه لما قال (آمنت بربكم) ظهر عند الرسل أنه قبل قولهم وآمن بالرب الذي دعوه إليه ولو قال (بربي) لعلهم كانوا يقولون كل كافر يقول: لي رب وأنا مؤمن بربي.
وأما على قولنا الخطاب مع الكفار ففيه بيان للتوحيد. وذلك لأنه لما قال (أعبد الذي فطرني) ثم قال (آمنت بربكم) فهم أنه يقول: ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وهو بعينه ربكم بخلاف ما لو قال: آمنت بربي فيقول الكافر وأنا أيضاً آمنت بربي ومثل هذا قوله تعالى (الله ربنا وربكم) .