لقد تَمَّ المعنى المقصود ببيَانِ أَنَّهُمْ مُرْسَلُونَ يَدْعُونَ إلى الحق، ولا يسألون الناس أجراً فليس لهم مصلحة لدى من يدعونهم إلى دين الله، وبعد ذلك جاءت جملة: {وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} إيغالاً، فكَوْن هؤلاء المرسلين مهتدين، أي: يسلكون في أعمالهم وأخلاقهم وكلّ تصرّفاتهم سبيل الهداية، دليلٌ على صدقهم، وهذا يدعو إلى اتِّباعهم وعدم رفض دعوتهم.
(2) جملة {اتبعوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً ...} بدل من جملة {اتّبعُوا المرسلين} التي تشتمل بمفهومها العام على معنى الجملة التي جاءت بدلاً منها. والغرض التنبيه على قضيّة مهمّةٍ فيهم، وهي إخلاصهم وعدم سعيهم لغرض دنيويٍّ من دعوتهم.
(3) دلَّت عبارة {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي} على أَنَّ قَوْمَه تَوَجَّهُوا له يحاكمونه على انتصاره للرُّسُل، فأخذوا يسألونه ويُجيبُهُم بحكمة وعقْلٍ وسداد، وباستطاعتنا أن نتخيّل مجلس المحاكمة:
قالوا: هل صدّقت هؤلاء الذين يزعمون أنَّهم مُرْسلون؟ وهَلْ آمنتَ بهم؟
قال: نعم.
قالوا: وَهل تركتَ ما يعبُد قومُك من آلهة؟
قال: نعم.
قالوا: وَهل صِرْتَ تَعبُد الإِلَه الّذِي يدعو هؤلاء إلى عبادته وحده لا شريك له؟.
قال: نعم، إنّه هو الذي فطرني، ومَالِيَ لاَ أعْبُد الذي فَطَرني وَإليه تُرْجَعُون؟!.
فالتفت من الحديث عن نفسه، إذْ كانت متابعة الأسلوب تستدعي أن يقول:"وإليه أرجع"أي: للحساب والجزاء، فخاطبهم فقال: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .
ونَلْمَحُ في هذا الالتفات البديع أنّه بدأ كلامه أوّلاً بأسلوب اتخاذ طريق الخير لنفسه، وهو يريد ضِمْناً مناصحة قومه تلطُّفاً بهم، وليُشْعرهم بأنّه يريد لهم ما يريد لنفسه، وبعد ذلك التفت إليهم إذْ أراد تخويفهم من عذاب الله، ودعوتهم إلى الإِيمان واتّباع المرسلين.
ولدى تحليل النصّ بوجه عام نلاحظ أنّ الرَّجُل المؤمن يريد أن يقدّم لهم الدليل الذي اقتنع هو به، وأنّ عليهم لمصلحة أنفسهم أن يتصّبروا بهذا الدّليل ليُوَلّد لديهم الاقتناع بما اقتنع هو به، فقال لهم: {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي} وطوى ضمن كلامه: وإليه أرجع ليحاسبني ويجازيني، وأنتم كذلك مثلي، فلم لا تَعْبُدونَ الذي فطركم؟! واكتفى عن ذكر هذا المطوي بعبارة: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .