{وأقسموا} أي: كفار مكة {بالله} أي: الذي لا يقسم بغيره {جهد أيمانهم} أي: غاية اجتهادهم فيها {لئن جاءهم نذير} أي: رسول {ليكونن أهدى من إحدى الأمم} أي: اليهود والنصارى وغيرهم أي: آية واحدة منها لما رأوا من تكذيب بعضها بعضاً {إذ قالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء} (البقرة: (
{فلما جاءهم نذير} أي: على ما شرطوا وزيادة وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي كانوا يشهدون أنه خيرهم نفساً وأشرفهم نسباً وأكرمهم خلقاً {ما زادهم} أي: مجيئه شيئاً مما هم عليه من الأحوال {إلا نفوراً} أي: تباعداً عن الهدى ؛ لأنه كان سبباً في زيادتهم في الكفر كالإبل التي كانت نفرت من ربها فضلت عن الطريق فدعاها فازدادت بسبب دعائه نفرة فصارت بحيث يتعذر أو يتعسر ردها ، فتبين أنه لا عهد لهم مع ادعائهم أنهم أوفى الناس ولا صدق عندهم مع جزمهم بأنهم أصدق الخلق ، ثم علل نفورهم بقوله تعالى:
{استكباراً} أي: طلباً لإيجاد الكبر لأنفسهم {في الأرض} أي: التي من شأنها السفول والتواضع والخمول فلم يكن نفورهم لأمر محمود ولا مباح ، ويجوز أن يكون استكباراً بدلاً من نفوراً وأن يكون حالاً أي: حال كونهم مستكبرين قاله الأخفش.
وقوله تعالى {ومكر السيء} فيه وجهان: أظهرهما: أنه عطف على استكباراً ، والثاني: أنه عطف على نفوراً وهذا من إضافة الموصوف إلى صفته في الأصل إذ الأصل والمكر السيء ، والبصريون يؤولونه على حذف موصوف أي: العمل السيء أي: الذي من شأنه أن يسوء صاحبه وغيره وهو إرادتهم لإهانة أمر النبي صلى الله عليه وسلم وإطفاء نور الله عز وجل ، وقال الكلبي: هو اجتماعهم على الشرك وقتل النبي صلى الله عليه وسلم