ثم رتبهم على مراتب فقال {فَمِنْهُمْ ظالم لّنَفْسِهِ} وهو المرجأ لأمر الله {وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} هو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات} وهذا التأويل يوافق التنزيل فإنه تعالى قال: {والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين} [التوبة: 100] الآية وقال بعده: {وَءَاخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ} [التوبة: 102] الآية وقال بعده: {وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لاْمْرِ الله} [التوبة: 106] الآية.
والحديث فقد رُوي عن عمر رضي الله عنه أنه قال على المنبر بعد قراءة هذه الآية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له"وعنه عليه السلام:"السابق يدخل الجنة بغير حساب ، والمقتصد يحاسب حساباً يسيراً ثم يدخل الجنة ، وأما الظالم لنفسه فيحبس حتى يظن أنه لا ينجو ثم تناله الرحمة فيدخل الجنة"رواه أبو الدرداء.
والأثر فعن ابن عباس رضي الله عنهما: السابق المخلص ، والمقتصد المرائي ، والظالم الكافر بالنعمة غير الجاحد لها لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة.
وقول السلف فقد قال الربيع بن أنس: الظالم صاحب الكبائر ، والمقتصد صاحب الصغائر ، والسابق المجتنب لهما.
وقال الحسن البصري: الظالم من رجحت سيئاته ، والسابق من رجحت حسناته ، والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته.
وسئل أبو يوسف رحمه الله عن هذه الآية فقال: كلهم مؤمنون ، وأما صفة الكفار فبعد هذا وهو قوله: {والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ} وأما الطبقات الثلاث فهم الذين اصطفى من عباده فإنه قال: {فَمِنْهُمْ} {وَمِنْهُمُ} {وَمِنْهُمُ} والكل راجع إلى قوله {الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا} وهم أهل الإيمان وعليه الجمهور.
وإنما قدم الظالم للإيذان بكثرتهم وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم والسابقون أقل من القليل.
وقال ابن عطاء: إنما قدم الظالم لئلا ييأس من فضله.