فعلى هذا يكون الاصطفاء لجملة من أُنزل عليه الكتاب ، كما قال: {وإِنُّه لَذِكْرٌ لَك ولِقَومِكَ} [الزخرف: 44] أي: لَشَرف لكم ، وكم من مُكْرَم لم يَقبل الكرامة!
والرابع: أنه المنافق ، حكي عن الحسن.
وقد روي عن الحسن أنه قال: الظالم الذي ترجح سيئاته على حسناته ، والمقتصد: الذي قد استوت حسناته وسيِّئاته ، والسابق: من رَجَحت حسناتُه.
وروي عن عثمان بن عفان أنه تلا هذه الآية ، فقال: سابقُنا أهل جهادنا ، ومقتصدِنا أهل حَضَرنا ، وظالمُنا أهل بدونا.
قوله تعالى: {ومنهم سابِقٌ} وقرأ أبو المتوكل ، والجحدري ، وابن السميفع: {سَبَّاقٌ} مثل: فَعَّال {بالخيرات} أي: بالأعمال الصالحة إِلى الجنة ، أو إِلى الرَّحمة {باذن الله} أي: بإرادته وأمره {ذلك هو الفضل الكبير} يعني إِيراثهم الكتاب.
ثم أخبر بثوابهم ، فجمعهم في دخول الجنة فقال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها} قرأ أبو عمرو وحده: {يُدْخَلُونَها} بضم الياء ؛ وفتحها الباقون ، وقرأ نافع ، وأبو بكر عن عاصم: {ولُؤْلُؤاً} بالنصب.
وروى أبو بكر عن عاصم أنه كان يهمز الواو الثانية ولا يهمز الأولى ، وفي رواية أخرى أنه كان يهمز الأولى ولا يهمز الثانية.
والآية مفسرة في سورة [الحج: 23] .
قال كعب: تحاكت مناكبُهم وربِّ الكعبة ، ثم أُعطوا الفضل بأعمالهم.
ثم أخبر عمَّا يقولون عند دخولها ، وهو قوله: {الحمدُ لله الذي أَذهب عنَّا الحَزَنَ} الحَزَن والحُزْن واحد ، كالبَخَل والبُخْل.
وفي المراد بهذا الحزن خمسة أقوال.
أحدها: أنه الحزن لطول المقام في المحشر.
روى أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أمَّا السابق ، فيدخل الجنة بغير حساب ، وأما المقتصِد ، فيحاسَب حساباً يسيراً ، وأما الظَّالم لنفسه ، فإنه حزين في ذلك المقام"فهو الحزن والغم ، وذلك قوله تعالى: {الحمد لله الذي أذهب عنّا الحَزَن} .