فإن قلنا: الذين اصطُفوا أُمَّة محمد ، فقد قال ابن عباس: إِن الله أورث أُمَّة محمد صلى الله عليه وسلم كلَّ كتاب أنزله.
وقال ابن جرير الطبري: ومعنى ذلك: أورثهم الإِيمانَ بالكتب كلِّها - وجميع الكتب تأمر باتِّباع القرآن - فهم مؤمنون بها عاملون بمقتضاها ؛ واستدل على صحة هذا القول بأن الله تعالى قال في الآية التي قبل هذه: {والذي أَوْحَيْنَا إِليكَ من الكتاب هو الحَقُّ} وأتبعه بقوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنا الكتاب} فعلمنا أنهم أُمَّةٌ محمد ، إِذ كان معنى الميراث: انتقال شيء من قوم إِلى قوم ، ولم تكن أُمَّةٌ على عهد نبينا انتقل إِليهم كتابٌ من قوم كانوا قبلهم غير أُمَّته.
فإن قلنا: هم الأنبياء وأتباعهم ، كان المعنى: أَورثْنا كلَّ كتاب أُنزل على نبيٍّ ذلك النبيَّ وأتباعَه.
والقول الثاني: أن المراد بالكتاب القرآن.
وفي معنى {أَوْرَثْنا} قولان.
أحدهما: أَعْطَيْنا ، لأنَّ الميراث عطاء ، قاله مجاهد.
والثاني: أخَّرْنا ، ومنه الميراث ، لأنه تأخّر عن الميت ؛ فالمعنى: أخَّرْنا القرآنَ عن الأُمم السالفة وأعطيناه هذه الأُمَّة ، إِكراماً لها ، ذكره بعض أهل المعاني.
قوله تعالى: {فمِنهم ظالم لنفسه} فيه أربعة أقوال.
أحدها: أنه صاحب الصغائر ؛ روى عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"سابقُنا سابق ، ومقتصدُنا ناجٍ ، وظالمُنا مغفورٌ له"وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ، قال:"كلُّهم في الجنة"
والثاني: أنه الذي مات على كبيرة ولم يَتُب منها ، رواه عطاء عن ابن عباس.
والثالث: أنه الكافر ، رواه عمرو بن دينار عن ابن عباس ، وقد رواه ابن عمر مرفوعاً إِلى النبي صلى الله عليه وسلم.