18 -ثم أخبر عن أحوال يوم القيامة وأهوالها وشدائدها بقوله: {وَلَا تَزِرُ} ؛ أي: ولا تحمل {وَازِرَةٌ} ؛ أي: نفس آثمة، وكذا غيرها يوم القيامة {وِزْرَ أُخْرَى} ؛ أي: إثم نفس أخرى بحيث تتعرى منه المحمول عنها، بل إنما تحمل كل منهما وزرها الذي اكتسبته، بخلاف الحال في الدنيا، فإن الجبابرة يأخذون الولي بالولي، والجار بالجار.
ولا تعارض هذه الآية قوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} لأنهم إنما حملوا أثقال ضلالهم مع أثقال إضلالهم، وكلاهما أوزارهم ليس فيها شيء من أوزار غيرهم، ألا ترى كيف كذبهم في قولهم: {اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} بقوله: {وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ} ، ومثل هذا حديث:"من سن سنة سيئة .. فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة". فإن الذي سن السنة السيئة إنما حمل وزر سنة السيئة، لا وزر من عمل بها، وقد تقدم الكلام على هذه الآية مستوفًى في محلها، ومنه يعلم وجه تحميل ذنوب المظلومين يوم القيامة على الظالمين، فإن المحمول في الحقيقة جزاء الظلم، وإن كان يحصل في الظاهر تخفيف حمل المظلوم، ولا يجري إلا في الذنب المتعدي، وفي الآية إشارة إلى أن لله تعالى في خلق كل واحدِ من الخلق سرًا مخصوصًا به، وله مع كل واحد شأن آخر، فكل مطالب بما حمل، كما أن كل بذر ينبت بنبات قد أودع فيه، ولا يطالب بنبات بذر آخر؛ لأنه لا يحمل إلا ما حمل عليه، كما في"التأويلات النجمية".
وإنما قال: {وَازِرَةٌ} ، ولم يقل: ولا تزر نفس وزر أخرى؛ لأن المعنى أن النفوس الوازرات لا ترى منهنّ واحدة إلا حاملة وزرها لا وزر غيرها.
{وَإِنْ تَدْعُ} مضارع أسند إلى الغائبة؛ أي: ولو دعت نفس {مُثْقَلَةٌ} ؛ أي: نفس أثقلتها الأوزار، وهي تقع على المذكر والمؤنث، والمفعول محذوف؛ أي: أحدًا، فالثقل: الإثم، سمي به لأنه يثقل صاحبه يوم القيامة، ويثبطه عن الثواب في الدنيا، {إِلَى حِمْلِهَا} الذي عليها من الذنوب ليحمل بعضها.