الحشر 7؟ ولو قُلْتُ لك هل في دستورنا مادة تنصُّ على فَصْل الموظف الذي يتغيَّب عن عمله خمسة عشر يوماً؟ لا توجد هذه المادة في الدستور، إنما هي قانون وضعه جماعة من المختصين المفوضين في ذلك، حيث يُؤلَّف للخادمين في الحكومة والعاملين بها لجنة تضع لهم القوانين بالتفويض، كذلك فُوِّض رسول الله من قِبَل ربه عز وجل في أنْ يُشرِّع لأمته، وأنْ يُوضِّح لهم. ثم يقول سبحانه {إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ} فاطر 31 الخبير هو الذي يعلم خبايا كل الأشياء على حقيقتها، والبصير هو الذي لا يغيب عنه شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة، فقد تعلم الشيء لكن لا تراه، والحق سبحانه يجمع في القرآن كثيراً بين الخبير البصير كما في هذه الآية، أو بين اللطيف الخبير لأن الخبرة تحتاج إلى بصر وتحتاج إلى لُطْف. واللطيف كما قلنا هو الذي يتغلغل في الأشياء ولا يمنعه مانع. لذلك قلنا إن أعنف الأشياء فَتْكاً هي الدقيقة اللطيفة التي لا تُرى بالعين المجردة، وكنا زمان نسميها الميكروب، والآن ظهر الفيروس، أظن أنه ألطف وأدقّ من الميكروب، وأشدّ منه فَتْكاً. وقد أوضحنا هذه المسألة بالذي يبني بيتاً مثلاً، ويريد أن يحتاط للحيوانات والحشرات الضارة، فيضع شبكة من الحديد مثلاً على الشبابيك، لكن لا بُدَّ أن تتناسب هذه الشبكة مع دِقَّة الشيء الذي تخاف منه، فالذي يمنع الذئاب، غير الذي يمنع الفئران، غير الذي يمنع الذباب والناموس .. الخ. إذن كلما دَقَّ الشيء عَنُفَ واحتاج إلى احتياط أكثر، لأنه يتغلغل في أضيق شيء وينفذ إليك دون أنْ تشعر به. ونفهم من قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ} فاطر 31 أن الله تعالى هو القادر وحده على أنْ يُشرِّع لعباده ما يناسبهم في كل زمان ومكان لذلك تعددتْ الكتب السماوية لما اختلفتْ الداءات، فلما التقى العالم واتصل جاء القرآن مهيمناً على كل هذه الكتب. ثم يقول الحق سبحانه {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ... } . انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ 12499 - 12510} .