قوله: {ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ} . الترتيبُ والمُهْملة هنا ظاهران ؛ فإنهم إنما يصيرون بَشَراً بعد أطوارٍ كثيرةٍ ."وتَنْتشرون"حالٌ . و"إذا"هي الفجائيةُ . إلاَّ أنَّ الفجائيةَ أكثرُ ما تقع بعد الفاء لأنها تَقْتضي التعقيبَ . ووجهُ وقوعِها مع"ثُمَّ"بالنسبة إلى ما يليقُ بالحالةِ الخاصةِ أي: بعد تلك الأطوارِ التي قَصَّها علينا في موضعٍ آخرَ مِنْ كونِنا نُطْفَةً ثم علقةً ثم مضغةً ثم عَظْماً مجرداً ثم عَظْماً مَكْسُوَّاً لحماً فاجأ البشريَّةَ والانتشارَ .
وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22)
قوله: {واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ} : أي: لغاتِكم من عَرَبٍ وعَجَمٍ ، مع تنوُّعِ كلٍ من الجيلين إلى أنواعٍ شتى لا سيما العجمُ ، فإن لغاتِهم مختلفةٌ ، وليس المرادُ بالألسنةِ الجوارحَ .
قوله:"للعالمين"قرأ حفصٌ بكسر اللام جعله جمعَ عالِم ضدَّ الجاهل . ونحوُه {وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ العالمون} [العنكبوت: 43] والباقون بفتحها ؛ لأنها آياتٌ لجميع الناس ، وإن كان بعضُهم يَغْفُلُ عنها . وقد تقدَّم أولَ الفاتحةِ الكلامُ في"العالمين": هل هو جمعٌ أو اسمُ جمع؟ فعليك باعتبارِه ثَمَّةَ .
وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23)