وقوله تعالى هنا {وَهُوَ الذي يَبْدَؤُاْ الخلق ...} [الروم: 27] بالفعل المضارع الدالّ على الاستمرارية ، مع أنه سبحانه بدأ الخَلْق بالفعل {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف: 29] فإنْ ذكرت الأولى فقد بدأ الخَلْق ، وإن ذكرت الاستمرارية في الإيجاد فهو يبدأ دائماً ، وفي كل وقت ترى في خَلْق الله شيئاً جديداً ، فالخَلْق لم يأتِ مرة واحدة ، ثم توقف ، بل بدأ ثم استمر .
ونلحظ أن القرآن يذكر هذه المسألة مرة بالماضي (بَدَأ) ومرة بالمضارع (يَبْدأ) ؛ لأن الخالق سبحانه بدأ الخلق فعلاً بخَلْق آدم عليه السلام الإنسان الأول: {الذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ} [السجدة: 7] ولا يزال سبحانه بقيوميته خالقاً ، يبدأ كل يوم وكل لحظة خَلْقاً جديداً نشاهده في الإنسان ، وفي الحيوان ، وفي النبات . . الخ .
وبالخَلْق المتجدِّد للإنسان ، حيث يُولَد كل لحظة مولود جديد نردُّ على الذين يقولون بتناسخ الأرواح - يعني: أن الروح تخرج من جسد فتحلُّ في جسد آخر - وهذا يعني أن تكون المواليد على قدر الوَفيَات ، ويعني أن يظل العالم على تعداد واحد دون زيادة ، ونحن نرى الآن مدى الكثافة السكانية التي يشكو العالم منها الآن ، وهذه تكفي لهدم هذه النظرية .
والحق سبحانه يُحذِّرنا أن نأخذ قصة بَدْء الخلق من غير الخالق سبحانه ، فمن الناس مضلون سيضلونكم في هذه المسألة ، فلا تُصغْون إليهم ؛ لأن الله يقول: {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً} [الكهف: 51] .