قوله تعالى: {وَهُوَ الذي يَبْدَؤُاْ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ...} [الروم: 27] استُهلَّت الآية بقوله تعالى (وَهُوَ) وفي آية أخرى {الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ...} [الروم: 11] فكأن (هُوَ) مدلولها (الله) وهو كما نعلم ضمير غيبة ، والحق سبحانه غَيْب عن الأنظار ، ومن عظمته سبحانه أنه غيب ، فلو كان مُدْركاً مُحسَّاً ما استحق أنْ يكون إلهاً ، وكيف نطمع في إدراكه سبحانه ونحن لا نستطيع أن ندرك بعض مخلوقاته؟
فالمعاني التي خلقها الله لتسوس حركة الحياة: كلمة الحق ، العدل ، الحق الذي يقف القضاء كله ليؤيده ويُعلنه ، والعدل الذي يحكم موازين الحياة ؛ ليوازن بين الشهوات وبين الحقائق ، هذه المعاني لا تُدرَك بالحواس ، فهل رأيتم العدل؟ هل سمعتم العدل؟ هل شممتم العدل؟ ... الخ .
إذن: فالمعاني العالية لا يمكن أنْ تُدرك لأنها أرفع من الإدراك ؛ لأن بها يكون الإدراك ، أيكون المخلوق للحق أسمى من أنْ يُدرك ، ويكون الحق سبحانه موضعاً للإدراك .
فإذا سمعت (هُوَ) فاعلم أنها لا تنصرف إلا إلى الإله الواحد الذي من عظمته أنه لا يُدرَك {لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار ...} [الأنعام: 103] .
لذلك نقرأ في سورة الإخلاص {قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] فترى أن (الله) لفظ الجلالة ، وهو عَلَم على واجب الوجود يأتي بعد (هُوَ) فكأن (هُوَ) أدلُّ على وجود الحق سبحانه من لفظ الجلالة (الله) ، فكأنه لا يصح حين يُطلَق ضمير الغيبة (هُوَ) على شيء إلا الله ؛ لأنه لا شيء في الكون إلا الله .