ونقول لمن تمرَّد على الله: ينبغي أن تكون منطقياً مع نفسك ، وأن تظل متمرداً على الله في كل شيء ما دمت قد ألفتَ التمرد ، فإنْ جاءك المرض تتأبى عليه ، وإنْ جاءك الموت ترفضه ، فإذا لم تستطع فأنت مقهور لله خاضع له {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} [الروم: 26] خاضعون ، إما عن اختيار ، وإما عن قهر في كل أمر لا اختيار لك فيه ، إذن: فأنت قانت رغماً عنك ، وقنوتك مع تمرُّدك أبلغ في الشهادة لله .
إذن: فالمؤمن خاضع لله في منطقة الاختيار ، وهي الإيمان والتكاليف ، وخاضع لله فيما لا اختيار له فيه كالقضاء والأمور الاضطرارية ، فهو يستقبلها عن رضا ، أما الكافر فهو خاضع لله لا يستطيع الفكاك عن قضائه ولا عن قدره رغماً عنه في الأمور التي لا اختيارَ له فيها ، لكنه يستقبلها بالسُّخْط وعدم الرضا ، فهو كافر بالله كاره لقضائه .
فنقول لمن تمرد على الله فكفر به ، أو تمرَّد على أحكامه فعصاها: ما لكم لا تتمردون على الله فيما يقضيه عليكم من أمور اضطرارية؟ هذا دليل على أنكم اتخذتم الاختيار في غير محلِّه ؛ لأن الذي يختار ينبغي أنْ يأخذ الاختيار في كل شيء ، لكن أنْ تختار في شيء ولا تختار في شيء آخر ، فهذا لا يجوز .
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)
كثيراً ما يُحدِّثنا القرآن الكريم عن هذه المسألة ويُذكِّرنا بالبدء والإعادة ، لماذا؟ يهتم القرآن بهذه المسألة ويؤكد عليها لأنها كانت الأساس في دعوته ؛ لأنهم إنْ كانوا يؤمنون بأنهم يرجعون إلى الله لخافوا من عقابه ؛ لذلك يؤكد لهم في مواضع كثيرة حتمية الإعادة وأنها حَقٌّ .