قالوا: لأنهم لما تمرَّدوا على الله وكفروا به ، أو تمرَّدوا على حكمه فعصَوْه لم يتمردوا بذواتهم ، إنما بما خلق الله فيهم من اختيار ، ولو أرادهم سبحانه مقهورين ما شذَّ واحد منهم عن مراد ربه ، والله عز وجل لا يريد أنْ يحكم الإنسان بقهر القدرة ، إنما يريد لعبده أنْ يأتيه طواعية مختاراً ، فإمكانه أن يكفر ومع ذلك آمن ، وبإمكانه أن يعصي ومع ذلك أطاع .
فلو أرادهم الله مؤمنين ما وجدوا إلى الكفر سبيلاً ، ولعصمهم كما عصم الأنبياء ، ربك يريدك مؤمناً عن محبة وإخلاص لا عن قهر وغلبة ؛ لذلك قال إبليس في جداله: {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين} [ص: 82 - 83] .
فلا قدرة له على عباد الله المخلصين ، الذين اختارهم الله لنفسه ، ولا سلطانَ له عليهم ، فإبليس إذن ليس في معركة مع ربه ، إنما في معركة مع الإنسان . وفي موضع آخر قال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ...} [الحجر: 42] .
ولما عشق هؤلاء المتمرِّدون على الله التمرد ، وأحبوه زادهم الله منه وأعانهم عليه ؛ لأنه سبحانه لا تنفعه طاعة الطائعين ، ولا تضره معصية العاصين ، فختم على قلوبهم فلا يدخلها إيمان ، ولا يخرج منها كفر ، وهو سبحانه الغني عن خَلْقه ؛ لذلك لما خلق الجنة خلقها لتتسع للناس جميعاً إنْ آمنوا ، ولما خلق النار خلقها لتتسع للناس جميعاً إنْ كفروا ، وترك لنا سبحانه الاختيار:
{فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] .
وكأن الحق سبحانه يقول لنا: أنتم أحرار ، فأنا مستعد للجزاء على أيِّ حال تسعكم جنتي ، إنْ آمنتم جميعاً ، ولا تضيق بكم النار إنْ كفرتم جميعاً .