ووجه ذكر النوم والابتغاء ها هنا ، وجعلهما من جملة الأدلة على البعث: أن النوم شبيه بالموت ، والتصرّف في الحاجات والسعي في المكاسب شبيه بالحياة بعد الموت {إِنَّ فِي ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} أي يسمعون الآيات والمواعظ سماع متفكّر متدبر ، فيستدلون بذلك على البعث {وَمِنْ ءاياته يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً وَطَمَعاً} المعنى: أن يريكم ، فحذف"أن"لدلالة الكلام عليه كما قال طرفة:
ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغى... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي؟
والتقدير: أن أحضر ، فلما حذف الحرف في الآية والبيت بطل عمله ، ومنه المثل المشهور:"تسمع بالمعيدي خير من أن تراه"وقيل: هو على التقديم ، والتأخير ، أي ويريكم البرق من آياته ، فيكون من عطف جملة فعلية على جملة اسمية ، ويجوز أن يكون {يريكم} صفة لموصوف محذوف ، أي ومن آياته آية يريكم بها ، وفيها البرق ، وقيل: التقدير ، ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً من آياته.
قال الزجاج: فيكون من عطف جملة على جملة.
قال قتادة: خوفاً للمسافر ، وطمعاً للمقيم.
وقال الضحاك: خوفاً من الصواعق ، وطمعاً في الغيث.
وقال يحيى بن سلام: خوفاً من البرد أن يهلك الزرع ، وطمعاً في المطر أن يحيي الزرع.
وقال ابن بحر: خوفاً أن يكون البرق برقاً خلباً لا يمطر ، وطمعاً أن يكون ممطراً ، وأنشد:
لا يكن برقك برقاً خلبا... إن خير البرق ما الغيث معه
وانتصاب {خوفاً} و {طمعاً} على العلة {وَيُنَزّلُ مِنَ السماء مَاء فَيُحْىِ بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا} أي يحييها بالنبات بعد موتها باليباس {إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فإن من له نصيب من العقل يعلم أن ذلك آية يستدلّ بها على القدرة الباهرة.
{وَمِنْ ءاياته أَن تَقُومَ السماء والأرض بِأَمْرِهِ} أي قيامهما واستمساكهما بإرادته سبحانه وقدرته بلا عمد يعمدها ، ولا مستقرّ يستقران عليه.