لكن أكُلّ الناس يرجون المطر؟ هَبْ أنك مسافر أو مقيم في بادية ليس لك كِنٌّ تكِنُّ فيه ، ولا مأوى يأويك من المطر ، فهذا لا يرجو المطر ولا ينتظره ، لذلك من رحمته تعالى أن يغلب انفعال الطمع في الماء الذي به تحيا الأرض بالنبات .
{وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مَآءً فَيُحْيِي بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا ...} [الروم: 24] وكلمة السماء لها مدلولان: مدلولٌ غالب ، وهي السماوات السبع ، ومدلول لُغوي ، وهي كل ما علاَّك فأظلَّك ، وهذا هو المعنى المراد هنا {وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مَآءً ...} [الروم: 24] لأن المطر إنما ينزل من السحاب ، فالسماء هنا تعني: كل ما علاك فأظلَّك .
ولو تأملتَ الماء الذي ينزل من السماء لوجدتَّه من سحاب متراكم {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ...} [النور: 43] .
وسبق أنْ تحدَّثنا عن كيفية تكوُّن السُّحُب ، وأنها نتيجة لبخر الماء ، لذلك من حكمته تعالى أنْ جعل ثلاثة أرباع الأرض ماءً والربع يابسة ، ذلك لتتسع رقعة بَخْر الماء ، فكأن الثلاثة الأرباع جعلت لخدمة الرُّبْع ، وليكفي ماء المطر سكان اليابسة .
وبيَّنا أهمية اتساع مسطح الماء في عملية البخر ، بأنك حين تترك مثلاً كوباً من الماء على المنضدة لمدة طويلة يظل كما هو ، ولو نَقُص منه الماء لكان قليلاً ، أمّا لو سكبتَ ماء الكوب على أرض الغرفة مثلاً فإنه يجفّ في عدة دقائق لماذا؟ لأن مسطح الماء اتسع فكَثُر الماء المتبخِّر .