لذلك العقلاء يقولون: العقل كالمطية توصلك إلى حضرة السلطان ، لكن لا تدخل معك عليه ، وهكذا العقل أوصلك إلى الإيمان ثم انتهى دوره ، فإذا ما سمعتَ قال الله فأنت اثق من صِدْق القول دون أنْ تُعمل فيه العقل .
وحين يقول سبحانه: يعقلون يتفكرون يعلمون ، حين يدعوك للتدبُّر والعِظَة إنما ينبه فيك أدوات المعارضة لتتأكد ، والعقل هنا مهمته النظر في البدائل وفي المقدمات والنتائج .
كما لو ذهبتَ مثلاً لتاجر القماش فيعرض عليك بضاعته: فهذا صوف أصلي ، وهذا فطن خالص ، ولا يكتفي بذلك إنما يُريك جودة بضاعته ، فيأخذ (فتلة) من الصوف ، و (فتلة) من القطن ، ويشعل النار في كل منهما لترى بنفسك ، فالصوف لا ترعى فيه النار على خلاف القطن .
إذن: هو الذي يُنبِّه فيك وسائل النقد ، ولا يفعل ذلك إلا وهو واثق من جودة بضاعته ، أما الآخر الذي لا يثق في جودة بضاعته فإنه يلجأ إلا ألاعيب وحيل يغري بها المشتري ليغُرّه .
كذلك الخالق - عز وجل - يُنبِّهنا إلى البحث والتأمل في آياته فيقول: تفكَّروا تدبَّروا ، تعقَّلوا ، كونوا علماء واعين لما يدور حولكم ، وهذا دليل على أننا لو بحثنا هذه الآيات لتوصَّلْنا إلى مطلوبه سبحانه ، وهو الإيمان .
والبرق: ظاهرة من ظواهر فصل الشتاء ، حيث نسمع صوتاً مُدوِّياً نسميه الرعد ، بعد أن نرى ضوءاً شديداً يلمع في الجو نسميه (برق) ، وهو عامل من عوامل كهربة الجو التي توصَّل إليها العلم الحديث ، لكن قبل ذلك كان الناس عندما يروْن البرق لا يفهمون منه إلا أحد أمرين: إما أنْ يأتي بصاعقة تحرقهم ، أو ينزل عليهم المطر ، فيخافون من الصاعقة ويرجون المطر .
{وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مَآءً ...} [الروم: 24] ليظل العبد دائماً مع ربه بين الخوف والرجاء .