أحدها: أن مكة كانت يومئذ دار حرب؛ دليله: قوله: (وَإِذْ يَمكُرُ بكَ الَّذِينَ كَفَرُوا...) الآية، وذلك كان قبل الهجرة، وما أمر بالهجرة - أيضًا - إلى المدينة، ونحوه كثير، وذلك كان كله قبل غلبة الروم على فارس، فإذا كانت مكة يومئذ دار حرب جازت المخاطرة في العقول في دار الحرب فيما بينهم وبين أهل الحرب، وإن كان مثلها في دار الإسلام غير جائز، وهذا يدل لأبي حنيفة - رحمه اللَّه - في إجازته عقد الربا في دار الحرب فيما بينهم وبين أهل الإسلام، وإن كان مثله في دار الإسلام غير جائز.
والثاني: جاز ذلك يومئذ وإن كانت فيه جهالة أسنان الإبل، والجهالة في العقود إنما تبطل العقود، لخوف وقوع التنازع بينهم في الدِّين، فأما في الأموال فقلما يقع؛ لما ذكرنا.
ومنهم من يقول: كان جائزا ذلك في الجاهلية، فأمَّا اليوم فقد جاء النهي عن القمار فنسخه، وإنما عرف النهي عن الميسر، والميسر هو القمار؛ فيكون النهي عن الشيء نهيًا عما هو في معناه، واللَّه أعلم.
وقوله: (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ) غلبة فارس الروم (وَمِنْ بَعْدُ) غلبة الروم فارس. ويقال: (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ) وحين ظهرت فارس على الروم (وَمِنْ بَعْدُ) ما ظهرت الروم على فارس.
وجائز أن يكون قوله: (لِلَّهِ الْأَمْرُ) في خلقه؛ أي: التدبير فيه، وله الأمر فيهم؛ أي: ليس لأحد في الخلق أمر ولا تدبير، وإنما ذلك له؛ كقوله: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) : له التدبير فيهم والأمر.
وفي قراءة من قرأ (غَلَبَتِ الرُّومُ) بالنصب يكون قوله: (وهم من بعد غلبهم سَيُغْلَبُونَ) حين تظاهر عليهم المسلمون في آخر الزمان حين تفتح قسطنطينية.
وفي حرف ابن مسعود وحفصة: (في بعض سنين قريبًا) .
وقوله: (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ(4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ ... (5)