وقال ابن عباس: قال الله تعالى:"يا أمة محمد، فأجابوه من أصلاب الآباء والأرحام؛ أي: أرحام الأمهات، لبيك اللهم لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك، لا شريك لك، قال الله تعالى: يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي، وعفوي سبق عقابي، قد أعطيتكم قبل أن تسألوني، وقد أجبتكم قبل أن تدعوني، وقد غفرت لكم قبل أن تستغفروني، ومن جاءني يوم القيامة بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبدي ورسولي دخل الجنة، وإن كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر".
وعلى ما قاله وهب يكون المنادى هو أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فيكون معنى الآية: وما كنتَ يا محمد بجانب الطور إذ كلَّمْنا موسى، فنادينا أمتك {وَلَكِنْ} أرسلناك بالقرآن العظيم الناطق بما ذكر {رَحْمَةً} عظيمة كائنة {مِنْ رَبِّكَ} ؛ أي: لأجل رحمة كائنة منا لك، وللناس.
وقال الأخفش: هو منصوب، يعني رحمة على المصدر؛ أي: رحمناك رحمة بإرسالك، والوحي إليك، وإطلاعك على الأخبار الغائبة عنك، وقال الزجاج: هو مفعول لأجله؛ أي: فعلنا ذلك بك لأجل الرحمة.
وقرأ الجمهور: {رَحْمَةً} بالنصب، فقُدِّر: ولكن جعلناك رحمة، وقُدِّر أعلمناك ونبأناك رحمة، وقرأ عيسى بن عمر وأبو حيوة: بالرفع، وقُدِّر: ولكن هو رحمة، أو أنت رحمة، و {اللام} في قوله: {لِتُنْذِرَ} وتخوِّف بأس الله وعذابه بالقرآن {قَوْمًا} هم أهل مكة، متعلقة بالفعل المعلل بالرحمة، وجملة {مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ} صفة {قَوْمًا} ؛ أي: لم يأتهم نذير ينذرهم من بأس الله، لوقوعهم في فترة بينك وبين عيسى، وهي خمس مائة وخمسون سنة، أو بينك وبين إسماعيل، على أن دعوة موسى وعيسى مختصة ببني إسرائيل، {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} ويتعظون بإنذارك.
وتغيير الترتيب الوقوعي بين قضاء الأمر، والثواء في أهل مدين، والنداء، للتنبيه على أن كلًّا من ذلك برهان مستقل، على أن حكايته عليه السلام للقصة بطريق الوحي الإلهي، ولو ذكر أولًا نفي ثوائه - صلى الله عليه وسلم - في أهل مدين، ثم نفي حضوره - صلى الله عليه وسلم - عند قضاء الأمر، كما هو الموافق للترتيب الوقوعي، لربما توهم أن الكل دليل واحد كما في"الإرشاد".