ونلحظ هنا أن أخت موسى أخذتْ الأمر من أمها {قُصِّيهِ} [القصص: 11] فقط ولم تلفت نظرها إلى هذا الاحتياط {عَن جُنُبٍ} [القصص: 11] مما يدلُّ على ذكاء الفتاة وقيامها بمهمتها على أكمل وجه ، وإن لم تُكلَّف بذلك ، وهذا من حكمة المرسَل الحريص على أداء رسالته على وجهها الصحيح .
ما أجملَ ما قاله الشاعر في هذا المعنى:
إذَا كُنْتَ في حَاجةٍ مُرْسِلاً ... فأَرسِلْ حَكيماً ولاَ تُوصِهْ
وقوله تعالى: {عَن جُنُبٍ} [القصص: 11] يظن البعض أن جنب يعني قريب مني ، وهذا غير صحيح ؛ لأن معنى الجنب ألاَّ تكون في مواجهتي ، لذلك يقول تعالى: {والجار ذِي القربى والجار الجنب} [النساء: 36] إذن: الجار الجنب مقابل الجار القريب ، فمعناه الجار البعيد .
فكأن الفتاة حين ذهبت لتتبع سَيْر التابوت أخذتْ مكاناً بعيداً منه ، حتى لا يفطن أحد إلى متابعتها له .
ومن ذلك قولنا: (فلان تجنّبني ، أو فلان واخد جنب مني) أي: يبتعد عني ، إذن: البعض يفهم هذه الكلمة على عكس مدلولها .
ألاَ ترى لقول إبراهيم عليه السلام: {واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام} [إبراهيم: 35] وقوله تعالى: {واجتنبوا قَوْلَ الزور} [الحج: 3] فالاجتناب يعني: الابتعاد .
وفي تحريم الخمر قال تعالى: {إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه} [المائدة: 90] فطلع علينا مَنْ يقول: هذا ليس نصاً في التحريم ، لأنه لم يقُلْ حرَّمْت عليكم ، فهي مجرد موعظة ونصيحة .
ونقول: لو فهمت معنى {فاجتنبوه} [المائدة: 90] لعلمتَ أنها أقوى في التحريم من حرمت عليكم ؛ لأن معنى حرَّمتْ عليكم الخمر يعني: لا تشربوها ، أما {فاجتنبوه} [المائدة: 90] يعني: ابتعدوا عنها كليةً شُرْباً أو بَيْعاً ، أو شراء ، أو نقلاً ، أو حتى الجلوس في مجالسها .