ثم تتحدث الآيات بعد ذلك عن تمهيدات الأقدار للأقدار ، فتقول: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع}
التحريم هنا لا يعني التحريم بالنسبة للمكلَّف: هذا حلال وهذا حرام ، إنما {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع} [القصص: 12] يعني: منعناه أنْ يرضع من المرضعات اللائي يأتونَ بهن لتتقلب عليه المراضع واحدة بعد الأخرى ، إلى أن تأتيه أمه .
و {المراضع} [القصص: 12] جمع مُرضِع ، ونقول أيضاً: مرضعة ، ولكل من اللفظين مدلول ، على خلاف ما يظنه البعض أنهما بمعنى واحد .
واقرأ أول سورة الحج: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ} [الحج: 2] .
المرضِع: التي من شأنها أنْ تُرضع ، وصالحة لهذه العملية ، لكن المرضعة التي تُرضع الآن فعلاً ، وعلة حِجْرها طفل يلتقم ثديها ، وفي موقف القيامة ستذهل هذه عن طفلها من هَوْل ما ترى ، إذن: فالتي تذهل هي المرضعة لا المرضع .
والضمير في {فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ} [القصص: 12] يعود على أخت موسى ؛ لأنها ما زالت في مهمة تتبُّع الولد ، وقد سمعها هامان تقول {هَلْ أَدُلُّكُمْ على أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص: 12] فقال لها: لا بدَّ أنك من أهل هذا الولد؟ وتعرفين قصَّته ، فقالت: بل ناصحون للملك مخلصون له . وفعلاً وافقوها على ما نصحتْ به ؛ لأنهم معذورون ، فالولد يأبى الرضاعة من الأخريات .
ثم يقول الحق سبحانه: {فَرَدَدْنَاهُ إلى أُمِّهِ}
وسبق أنْ وعدها الله: {إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ} [القصص: 7] وها هو أوانُ تحقيق الوعد الأول ، وهو بُشْرى بتحقُّق الوعد الثاني {وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين} [القصص: 7] لكن هذا في مستقبل الأيام ، وسوف يتحقق أيضاً .