كما أن ابنة فرعون ، وكانت فتاة مبروصة أصابها البرص ، ورأت في الرؤيا أن شفاءها سيكون بشيء يخرج من البحر ، فتأخذ من ريقه ، وتدهن موضع البرص فيشفى ، فلما رأتْ موسى تذكرتْ رؤياها ، فأخذت من ريقه ودهنتْ جلدها ، فشُفِيت في الحال فتشبثتْ به هي أيضاً .
فاجتمع لموسى محبة الزوجة ، ومحبة البنت ، وهما بالذات أصحاب الكلمة المسموعة لدى فرعون ، بحيث لا يرد لهما طلباً .
وفي انصياع فرعون لرغبة زوجته وابنته وضعفه أمامهما رغم ما يعلم من أمر الطفل دليلٌ على أن الزوجة والأولاد هما نقطة الضعف عند الرجل ، ووسيلة السيطرة على شهامته وحزمه ، والضغط على مراداته .
لذلك يطمئننا الحق تبارك وتعالى على نفسه ، فيقول سبحانه وتعالى {مَا اتخذ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً} [الجن: 3] .
ذلك لأن الصاحبة غالباً ما تستميل زوجها بوسيلة أو بأخرى ، أما الولد فيدعو الأب إلى الجبْن والخضوع ، والحق تبارك وتعالى لا يوجد لديه مراكز قوى ، تضغط عليه في أي شيء ، فهو سبحانه مُنزَّه عن كل نقص .
وحكوا في دعابات أبي نواس أن أحدهم وسَّطه ليشفع له عند الخليفة هارون الرشيد ، فشفع له أبو نواس ، لكن الخليفة لم يُجِبْه إلى طلبه ، وانتظر الرجل دون جدوى ، ففكر في وساطة أخرى ، واستشفع بآخر عند زبيدة زوجة الرشيد ، فلما كلَّمته أسرع إلى إجابة الرجل ، وهنا غضب أبو نواس وعاتب صاحبه الرشيد ، لكنه لم يهتم به ، فقال له اسمع إذن:
ليسَ الشَّفِيعُ الذِي يأتِيكَ مُؤتزراً ... مثْلَ الشَّفِيع الذِي يأتِيكَ عُرْيانا
ولهذه العناية الإلهية بموسى عليه السلام نلحظ أنه لما قال له ربه {اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى} [طه: 24] خاف موسى من هذه المهمة ، وكان اسم فرعون في هذا الوقت يُلقي الرعب في النفوس ، حتى أن موسى وهارون قالا {رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يطغى} [طه: 45] .