لذلك يختلف أسلوب الكلام في الوحي الأول ، فيأتي رتيباً مطمئناً: {أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين} [القصص: 7] هكذا في نبرة هادئة لأن المقام مقام نصح وتمهيد ، لا مقام أحداث وتنفيذ .
أما الوحي الثاني فيأتي في سرعة ، وبنبرة حادة: {أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل} [طه: 39] فالعَجلة في اللفظ تدلُّ على أن المقام مقام مباشرة للحدث فعلاً .
وفي الأولى قال {فَأَلْقِيهِ} [القصص: 7] ، أما في الثانية فقال {فاقذفيه} [طه: 39] والأم لا تقذف وليدها ، بل تضعه بحنان وشفقة ، لكن الوقت هنا ضيِّق لا يتسع لممارسة الحنان والشفقة .
والأمر لليمِّ بأن يلقي التابوت بالساحل له حكمة ؛ لأن العمق موضع الحيوانات البحرية المتوحشة التي يُخاف منها ، أمَّا بالقُرْب من الساحل فلا يوجد إلا صغار الأسماك التي لا خطورة منها ، وكذلك ليكون على مَرْأى العين ، فيطمئن عليه أهله ، ويراه مَنْ ينقذه ليصل إلى البيت الذي قُدِّر له أنْ يتربّى فيه .
وفعلاً ، وصل التابوت إلى الساحل ، وكان فرعون وزوجته آسية وابنته على الشاطئ ، فلما أُخرِج لهم التابوت وجدوا فيه الطفل الرضيع ، وكان موسى عليه السلام أسمر اللون ، مُجعَّد الشعر ، كبير الأنف ، يعني لم يكُنْ عليه السلام جميلاً تنجذب إليه الإنظار ويفرح به مَنْ يراه .
لذلك يمتنُّ الله عليه بقوله: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي} [طه: 39] أي: ليس بذاتك أن يحبك مَنْ يراك إنما بمحبة الله ، لذلك ساعة رأته آسية أحبَّته وانشرح صدرها برؤيته ، فتمسكَّت به رغم معارضة فرعون لذلك .