يقولون: ظلت أم موسى تُرضِعه في بيتها طالما كانت آمنة عليه من أعين فرعون ، إلى أنْ جاءها أحَد العسس يفتش البيت فخافت على الولد فلفته في خرقة ودسته في فجوة بجوارها ، كانت هذه الفجوة هي الفُرْن ، ألقتْه فيه وهو مسجور دون أن تشعر يعني من شدة خوفها عليه حتى إذا ما انصرف العَسَس ذهبت إليه ، فإذا به سالماً لم يُصِبْه سوء . وكأن الله تعالى يريد لها أنْ تطمئن على حِفْظ الله له ، وأن وعده الحق .
وقد وردت مسألة وحي الله لأم موسى في كتاب الله مرتين مما دعا السطحيين من المستشرقين إلى اتهام القرآن بالتكرار الذي لا فائدةَ منه ، وذكروا قوله تعالى:
{إِذْ أَوْحَيْنَآ إلى أُمِّكَ مَا يوحى * أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ على عيني} [طه: 3839] .
لكن فَرْق بين الوحي الأول والوحي الآخر: الوحي الأول خاص بالرضاعة في مدة الأمان ، أما الآخر فبعد أنْ خافت عليه أوحى إليها لتقذفه في اليم .
وتأمل {أَنِ اقذفيه} [طه: 39] والقذف إلقاء بقوة ، لا أنْ تضعه بحنان ورفق ؛ لأن عناية الله ستحفظه على أي حال {فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل} [طه: 39] وهذا أمر من الله تعالى لليمِّ أن يخرج الوليد سالماً إلى الساحل ؛ لذلك لم يأت في هذا الوحي ذِكْر لعملية الرضاعة .
فكأن الوحي الأول جاء تمهيداً لما سيحدث ؛ لتستعد الأم نفسياً لهذا العمل ، ثم جاء الوحي الثاني للممارسة والتنفيذ ، كما تُحدِّث جارك ، وتُحذِّره من اللصوص وتنصحه أنْ يحتاط لهذا الأمر ، فإذا ما دخل الليل حدث فعلاً ما حذّرتَه منه فَرُحْت تنادي عليه ليسرع إليهم ويضربهم .