وهكذا يتسع ميدان المواجهة مع الطاغوت ليشمل ما هو فوق الأرض وما هو تحت الأرض، تحقيقا لمعنى الحديث الشريف''الحرب خَدْعة''، كي نفاجئ الطواغيت بما لم يستعدوا له .. مع التأكيد على أنّ السريّة في الدعوة في أي مرحلة من مراحلها ما هي إلاّ وسيلة وليست بغاية، إذ أنّ الحق من طبيعته أن يسعى لتعريف نفسه ودعوة الجماهير إليه، وذلك معنى تبليغ الحق للنّاس.
إنّ لنا في كيفية قتل كعب بن الأشرف اليهودي عبرة، حيث استعمل المسلمون حيلا وخدعا متعددة للوصول إليه وقتله. قال محمد بن سلمة رضي الله عنه - وهو أحد الذين شاركوا في قتله: (يا رسول الله أنا أقتله. قال: فافعل إن قدرت على ذلك، فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق به نفسه، فذكر ذلك لرسول الله فدعاه فقال له: لم تركت الطعام والشراب؟ قال يا رسول الله: قلت قولا لا أدري أفي به أم لا. قال: إنما عليك الجهد. قال يا رسول الله: إنه لا بد لنا من أن نقول. قال: قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك) ، ثمّ ما كان من خدعة في طريقة قتله، فانظر كيف يناور محمد بن سلمة في الكلام مع كعب بن الأشرف:''أردنا أن تسلفنا وسقا أو وسقين. فقال: ارهنوني نساءكم. قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب. قال: فارهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نرهن أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رهن بوسق أو وسقين هذا عار علينا، ولكنّا نرهنك اللأمة - يعني السلاح - فوعده أن يأتيه فقتلوه، ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه''.