وهكذا يلتزم موسى الاستعاذة كلما ضاقت به الأمور وادلهمت الخطوب، يستعيذ بالله من شرورهم وسيئات أعملهم، يقول تعالى حكاية لقول موسى:''وإنّي عذت بربي وربكم أن ترجمون''، فهو يتحصن بربه ويعوذ به أن يسطوا عليه أو أن يرجموه. فإن استعصوا على الإيمان فهو يطلب منهم إعتزاله وأن لا يعترضوا عليه وأن يَدَعُوا الأمر بينه وبينهم مسالمة إلى أن يقضي الله بينهم، وذلك منه عليه السلام منتهى العدل والمسالمة، ولكنّه الطاغوت لا يقبل حلا سوى الاستسلام التام من أهل الحق.
ليس في قلوب الطواغيت غير الكبر والاستكبار عن الحق والتعظم، ممّا يحملهم على التكذيب، والطمع في أن يغلبوا أهل الحق، وما هم ببالغي ذلك .. فلنلتجأ إلى الله من شرهم وكيدهم وبغيهم، فهوالسميع لأقوالهم البصير بأفعالهم لا تخفى عليه من ذلك خافية.يقول تعالى:''إنّ الذين يجادلون بآيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلاّ كبر ما هم بباليغه فاستعذ بالله إنّه هو السميع البصير''.و (ليس ما يرومونه من إخماد الحق وإعلاء الباطل بحاصل لهم، بل الحق هو المرفوع، وقولهم وقصدهم هو الموضوع، فاستعذ بالله من حال مثل هؤلاء) .
إنّ مواجهة الطواغيت تحمل الكثير من المخاطر والمنعطفات، وذلك حين يقلّ النّصير ويتكالب الأعداء .. فربّما زيّن الشيطان لبعض ضعاف النّفوس المهادنة ونصف الحل! وربّما تُسوّل النّفس بمثل ذلك حين اشتداد المواجهة وازدياد التضحيات ... وتلك هي وساوس الشيطان لثني المؤمنين عن مواصلة المشوار، فإذا حدث هذا فعليك بالاستعاذة، يقول تعالى:''وإمّا ينزغنّك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنّه سميع عليم''، أي فاستجر بالله والتجيء من تلك الوسوسة لأنّها
تبعث على الشر، فهو السميع لكل ما يسمع والعليم بكل ما يعلم، ومن كان كذلك فهو يعيذ من استعاذ به.
الوسيلة السادسة: سريّة الإيمان والإنتماء.
حين لا يستطيع أهل الحق ممارسة إيمانهم علانية بسبب الضغط الهائل عليهم، والذي لا يستطيعون له دفعا، بحيث لو كُشف أمرهم لتعرضوا لفتن خطيرة تزيد عن الضرر النّاجم من كتم إيمانهم، حينئذ لا بدّ من التّخفي، كما كان الأمر في بداية دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم.