الثاني: أنّ كيفية المواجهة ترتبط بالغايات المرادة من تلك المواجهة. فموسى عليه السلام كانت له مهمة، مفادها إرسال بني إسرائيل من قبضة فرعون والكف عن تعذيبهم، وذلك ما يُرشد إليه قوله تعالى:''فأتياه فقولا إنّا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تُعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى، إنّا قد أوحي إلينا أنّ العذاب على من كذّب وتولى''.وقوله تعالى:''فأتيا فرعون فقولا إنّا رسول رب العالمين، أن أرسل معنا بني إسرائيل''.أي (أطلقهم ولا تعذبهم بالتكاليف الصعبة وقتل الولدان، فإنّهم كانوا في أيدي القبط يستخدمونهم ويتعبونهم في العمل، ويقتلون ذكور أولادهم في عام دون عام، وفي هذا دليل على أن تخليص المؤمنين من الكفرة أهم من دعوتهم إلى الإيمان ويجوز أن يكون للتدريج في الدعوة) .
فالكيفية - إذن - مرتبطة بطبيعة المُخَاطَب - فرعون والملأ وآل فرعون والمستعبدين من بني إسرائيل - وبطبيعة الخِطاب ومضمونه، فالخطاب وإن كان مقصوده الأساسي إطلاق بني إسرائيل فقد حمل في طيّاته - أيضا - هجوما واضحا على أهم ما تقوم عليه شخصية فرعون من دعوى الألوهية والربوبية، وبيان ذلك في قول موسى وهارون:''إنّا رسولا ربك''، والمعنى أنّهما (أُمرا بذلك تحقيقا للحق من أول الأمر ليعرف الطاغية شأنهما ويبنى جوابه عليه) .وقولهما:''إنّا رسول رب العالمين''، ثمّ ما كان من جواب فرعون''فمن ربكما يا موسى ''.وإنّما قال ذلك لموسى (منكرا وجود الصانع الخالق إله كل شيء وربه ومليكه) ، فلم يكن سؤال بحث عن الحقيقة، وهو مؤشر على بدء الصدام والخصام.
من هنا يتضح أن الدعوة لإطلاق بني إسرائيل كانت تعني بالنّسبة لفرعون تدمير عرشه وهزّ أركان مملكته، كما تعني - لو سلّم بالأمر - انكشاف كذبه فيما ادعاه من أُلوهية وربوبية.
على ضوء ما تقدّم - وبعد النّظر في كتاب الله - يُمكننا أن نُقَسّم كيفية المواجهة إلى ثلاثة مراحل - أي ثلاثة مباحث: المبحث الأول: مرحلة الإعداد للمواجهة.
المبحث الثاني: مرحلة المباشَرة في التنفيذ.
المبحث الثالث: مرحلة مواجهة الإبتلاءات والمحن بعد إفلاس الطاغوت في الحجة والبرهان.