ثمّ بعد هذا ما يصنعونه من التعظيم والتمجيد المبرمج، فهو مع ما سبق خارق الذكاء وبعيد النظر ويعرف ما لا يعرفه النّاس ويدرك بحنكته ما لا يدركون، وهو الأول في كل شيء! ولن يكون مثله كما لم يكن مثله، وللأسف أنّ الأرحام قد عجزت عن الإتيان بمثله! بمعنى أنّه إله وإن لم يعلن ذلك. وتتولى الأجهزة التي وضعت لهذا الغرض تسويق هذا الدجل! وما الاستعراضات والمهرجانات إلاّ صورة معبرة عن هذا الانتفاخ الزائف، وتعبير دقيق عن مكنونات تلك النّفوس.
إنّ الطاغوت مشغوف بحب الظهور فتراه يقرِّب منه أصحاب الذمم الميتة من الشعراء والأدباء والخطباء وأصحاب الأقلام المأجورة كي يُكيلوا له المديح والثناء إشباعا لنزعته في حب الظهور، بل إنّ وظيفة الجهاز الإعلامي الأولى هي تمجيد الزعيم والاهتمام بأعياده الخاصة!
إنّ الحكم والجاه مدار صراع بين النّاس وعليه تكالبهم، يقول تعالى:''فما اختلفوا إلا بعد ما جاءهمُ العِلم بَغْياً بينهم'' أي (فما وقع الخلاف بينهم في الدين إلا من بعد ما جاءهم ما هو موجب لزوال الخلاف وهو العلم، وإنّما اختلفوا لبغى حدث بينهم حسدا وطلبا وجلبا للرياسة) ، وإلى هذا المرض ترجع كثير من المنازعات المغلفة بشعارات كاذبة تخفي ورائها حب الرياسة
والظهور؛ ذلك هو معنى الحديث:''ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لهما من حرص المرء على المال والشرف لدينه''، فأنت كما ترى أن حب الرياسة مرض يجلب الفساد على الحاكم والمحكوم سواء.
(فحب الرياسة والجاه من أمراض القلوب، وهو من أضر غوائل النّفس وبواطن مكائدها) ، بل إنّ حب الرياسة شر من حب الدنيا، ومن ثمّ قيل: الدنيا خمر الشيطان فمن شرب منها لم يفق من سكرتها إلا في عسكر الموتى خاسرا نادما، وقالوا: (حب الرياسة أصل كل موبقة) .
إنّ حب الزعامة من موانع الإيمان عند الطواغيت؛ فالذي منع أبو جهل عن الإيمان هو حب الزعامة، يقول تعالى:''وقالوا لولا نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم''، (فالرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف النّاس من الكفار) ؛ ذلك أنّهم امتنعوا عن الإيمان بسبب حبهم للزعامة والرياسة.