لقد ظهرت النزعة الفوقية لفرعون في مقارنته لنفسه مع موسى عليه السلام، يقول تعالى حكاية لقول فرعون:''أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين''، أي (ضعيف حقير) ؛ ذلك أنّ احتقار الآخرين وازدرائهم من إفرازات النزعة الفوقية، فهو يرى كل ما عداه حقيرا تافها لا قيمة له. وهنا ندرك علة عدم اكتراث الطواغيت بآلام الجماهير وعذاباتهم، فهم - أي الطواغيت - يتصورون النّاس كائنات منزوعة الأحاسيس والمشاعر.
ونلاحظ هذا الظهور - لتلك النّزعة - في رده على الملأ حين طلبوا منه حلاً لمشكلة موسى، فرد عليهم بقوله:''وإنّا فوقهم قاهرون''.وأراد بالفوقية العلو المعنوي وليس العلو المكاني، وتلك هي العقدة الأساسية التي تتفرع عنها باقي الخصائص في شخصية فرعون، والتي تمثلت آثارها في سلوك فرعون المَرَضي ومنهجه التعسفي.
ولنا أن نقرر أنّ دعوى الألوهية والربوبية تعبير ظاهري عن تلك النّزعة، بلغت أقصى درجاتها حين أوجب فرعون على النّاس أن يتوجهوا إليه بنوع من العبادة، بينما هو في داخله يعبد ذاته. من هنا كان الإمتناع عن قبول الحق مهما أوتي صاحبه من برهان؛ ذلك أنّ قيام البرهان أو عدمه ليس هو المشكلة ما دامت تلك الشخصية ترفض أي وضع لا تستطيع فيه التعبير عن مكنوناتها النّفسية، ولزم من ذلك الإستعلاء والاستبداد؛ ذلك أنّ العبيد ليس لهم وظيفة بين يدي الإله والرب المزعوم سوى السمع والطاعة والتنفيذ، ولا يملكون حق التصرف ولو في أنفسهم.
إنّ الطغيان وتجاوز الحد في المعصية ببلوغ أسفل الدركات قد تمثل بادعاء فرعون للألوهية والربوبية كتعبير ظاهري عن مشاعر التّفوق والفوقية، ولزم من ذلك الظلم بكل معانيه وأنواعه وتصاريفه حين وضع فرعون نفسه في غير موضعها، وصاحب تلك الدعوى الفساد والإفساد، إذ كيف يكون الصلاح في وضع قائم على مفسدة كبرى صار العبد فيها ربا وإلها! فكل ما يُبنى على تلك المقدمة الفاسدة سيصيبه الخلل والعوار.