(الاستكبار: الامتناع عن قبول الحق معاندة وتكبرا) ، وليس الإمتناع جهلا أو لقلة علم أو معرفة أو لاشتباه الأمر عليه، بل هو الإمتناع مع العلم أنّ ما رفضه وأنكره هو الحق الساطع المبين، وذلك هو ما تميّزت به شخصية فرعون؛ الامتناع عن قبول الحق عن بيّنة وعلم، فلا شبهة ولا غبش ولا غشاوة. ولقد علم - لعنه الله - لو كان العلم يجدي - الحقّ وتنكّب عن سبيله، بل وحاربه بلا هوادة.
و (أصل الاستكبار طلب الكبر من غير استحقاق، لابمعنى طلب تحصيله مع اعتقاد عدم حصوله، بل بمعنى عد نفسه كبيرا واعتقاده كذلك. وإنما عبّر عنه بما يدل على الطلب للإيذان بأنّ مآله محض الطلب بدون حصول المطلوب) ؛ أي يحسبون أنفسهم كبارا فيظلمون الناس، ويغصبون حقوقهم لمجرد أنّهم أوتوا قدرا من القوة.
وبسبب هذه النّظرة الإستكبارية التي ميزت فرعون ومن حوله فإنهم (رأوا كل من سواهم حقيرا بالإضافة إليهم ولم يروا العظمة والكبرياء إلاّ لأنفسهم، فنظروا إلى غيرهم نظر الملوك إلى العبيد في الأرض) ؛ ذلك أنّ الاستكبار هو (الأنفة مما ينبغي أن لا يؤنف منه) ، ممّا أسس لنظام الطبقات في ظلّ شخصية فرعون؛ بمعنى أنّ الإستكبار سبب في ظهور الطبقية في المجتمع، كما أنّه إذا استحكم في النّفس يحجب صاحبه عن الحقيقة، وبهذا نفسر وقوع فرعون بالعديد من الأخطاء في مواجهته لموسى.
لقد قرر القرآن حقيقة استكبار فرعون، ونص على استكباره بالعبارة الواضحة الجلية، فقال سبحانه وتعالى:''واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق''.وقال سبحانه:''ثمّ بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين''.