وقد أدمج في خلال هذا تنويهاً بشأن مكة وتعريضاً بهم بكفرهم بالذي أسكنهم بها وحرمها فانتفعوا بتحريمها ، وأشعرهم بأنهم لا يملكون تلك البلدة فكاشفهم الله بما تكنه صدورهم من خواطر إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من مكة وذلك من جملة ما اقتضاه قوله
{وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} [النمل: 74] .
فلهذه النكت أجرى على الله صلة حرم تلك البلدة ، دون أن يكون الموصول للبلدة فلذا لم يقل: التي حرمها الله ، لما تتضمنه الصلة من التذكير بالنعمة عليهم ومن التعريض بضلالهم إذ عبدوا أصناماً لا تملك من البلدة شيئاً ولا أكسبتها فضلاً ومزية ، وهذا كقوله {فليعبدوا رب هذا البيت} [قريش: 3] .
والإشارة إلى البلدة التي هم بها لأنها حاضرة لديهم بحضور ما هو باد منها للأنظار.
والإشارة إلى البقاع بهذا الاعتبار فاشية قال تعالى {وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة} [هود: 60] وقال {إنا مهلكوا أهل هذه القرية} [العنكبوت: 31] .
والعدول عن ذكر مكة باسمها العلم إلى طريقة الإشارة لما تقتضيه الإشارة من التعظيم.
وتبيين اسم الإشارة بالبلدة لأن البلدة بهاء التأنيث اسم لطائفة من الأرض معينة معروفة محوزة فيشمل مكة وما حولها إلى نهاية حدود الحرم.
ومعنى {حرمها} جعلها حراماً ، والحرام الممنوع ، والتحريم المنع.
ويعلم متعلق المنع بسياق ما يناسب الشيء الممنوع.
فالمراد من تحريم البلدة تحريم أن يدخل فيها ما يضاد صلاحها وصلاح ما بها من ساكن ودابة وشجر.
فيدخل في ذلك منع غزو أهلها والاعتداء عليهم وظلمهم وإخافتهم ومنع صيدها وقطع شجرها على حدود معلومة.
وهذا التحريم مما أوحى الله به إلى إبراهيم عليه السلام إذ أمره بأن يبني بيتاً لتوحيده وباستجابته لدعوة إبراهيم إذ قال {رب اجعل هذا بلداً ءامناً} [البقرة: 126] .