الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَتَرَى الْجِبَالَ} يَا مُحَمَّدُ {تَحْسَبُهَا} قَائِمَةً {وَهِيَ تَمُرُّ} .
وَإِنَّمَا قِيلَ: {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} لِأَنَّهَا تُجْمَعُ ثُمَّ تَسِيرُ، فَيَحْسَبُ رَائِيهَا لِكَثْرَتِهَا أَنَّهَا وَاقِفَةٌ، وَهِيَ تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا، كَمَا قَالَ الْجَعْدِيُّ:
[البحر الطويل]
بِأَرْعَنَ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أَنَّهُمْ ... وُقُوفٌ لِحَاجٍ وَالرِّكَابُ تُهَمْلِجُ
وَقَوْلُهُ: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} وَأَوْثَقُ خَلْقَهُ.
عَنْ قَتَادَةَ:" (إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) "
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ ذُو عَلْمٍ وَخِبْرَةٍ بِمَا يَفْعَلُ عِبَادُهُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ وَطَاعَةٍ لَهُ وَمَعْصِيَةٍ، وَهُوَ مُجَازِي جَمِيعَهُمْ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ، عَلَى الْخَيْرِ الْخَيْرَ، وَعَلَى الشَّرِّ الشَّرَّ نَظِيرَهُ""
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {مَنْ جَاءَ} اللَّهَ بِتَوْحِيدِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ، وَقَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُوقِنًا بِهِ قَلْبُهُ، {فَلَهُ} مِنْ هَذِهِ الْحَسَنَةِ عِنْدَ اللَّهِ {خَيْرٌ} يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَذَلِكَ الْخَيْرُ أَنْ يُثِيبَهُ اللَّهُ {مِنْهَا} الْجَنَّةَ، وَيُؤَمِّنَهُ {مِنْ فَزَعٍ} الصَّيْحَةِ الْكُبْرَى وَهِيَ النَّفْخُ فِي الصُّورِ {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ}
يَقُولُ: وَمَنْ جَاءَ بِالشِّرْكِ بِهِ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَجُحُودِ وَحْدَانِيَّتِهِ {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ} فِي نَارِ جَهَنَّمَ.
عَنْ قَتَادَةَ:" {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ} قَالَ: الْإِخْلَاصُ {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ} قَالَ: الشِّرْكُ"
قَالَ عِكْرِمَةُ: «كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ السَّيِّئَةُ فَهُوَ الشِّرْكُ» .
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:" {فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} فَمِنْهَا وَصَلَ إِلَيْهِ الْخَيْرُ، يَعْنِي ابْنُ عَبَّاسٍ بِذَلِكَ: مِنَ الْحَسَنَةِ وَصَلَ إِلَى الَّذِي جَاءَ بِهَا الْخَيْرُ"