وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَتْرُوكًا اكْتَفَى بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ مِنْهُ، كَمَا قِيلَ: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} فَتَرَكَ جَوَابَهُ.
وَقَوْلُهُ: {إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} قِيلَ: إِنَّ الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمُ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ أَنْ يَنَالَهُمُ الْفَزَعُ يَوْمَئِذٍ الشُّهَدَاءُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وَإِنْ كَانُوا فِي عِدَادِ الْمَوْتَى عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَبِذَلِكَ جَاءَ الْأَثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْخَبَرِ الْمَاضِي.
وَقَوْلُهُ: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ}
يَقُولُ: وَكُلٌّ أَتَوْهُ صَاغِرِينَ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الدَّاخِرُ: الصَّاغِرُ الرَّاغِمُ، قَالَ: لِأَنَّ الْمَرْءَ الَّذِي يَفْزَعُ إِذَا فَزِعَ إِنَّمَا هِمَّتُهُ الْهَرَبُ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي فَزِعَ مِنْهُ، قَالَ: فَلَمَّا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَزِعُوا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَنْجَى"."
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: (وَكُلٌّ آتُوهُ) ، بِمَدِّ الْأَلْفِ مِنْ أَتَوْهُ عَلَى مِثَالِ فَاعَلُوهُ، سِوَى ابْنُ مَسْعُودٍ، فَإِنَّهُ قَرَأَهُ: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ} عَلَى مِثَالِ فَعَلُوهُ، وَاتَّبَعَهُ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِهِ الْمُتَأَخِّرُونَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ، - وَاعْتَلَّ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ عَلَى مِثَالِ فَاعَلُوهُ بِإِجْمَاعِ الْقُرَّاءِ عَلَى قَوْلِهِ: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ} قَالُوا: فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (آتُوهُ) ، فِي الْجَمْعِ.
وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَءُوا عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ رَدُّوهُ عَلَى قَوْلِهِ: {فَفَزِعَ} كَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَأَتَوْهُ كُلُّهُمْ دَاخِرِينَ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ: رَأَى وَفَرَّ وَعَادَ وَهُوَ صَاغِرٌ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ، وَمُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.