وحاصل معنى الآية: أي ألم ير هؤلاء المكذبون بآياتنا تصريفنا الليل والنهار، ومخالفتنا بينهما بجعل ذاك سكنًا لم يسكنون فيه، ويهدؤون راحة لأبدانهم من تعب التصرف، والتقلب نهارًا، وجعل هذا مضيئًا يبصرون في الأشياء، ويعاينونها، فيتقلبون فيه لمعايشهم، فيتفكرون في ذلك، ويتدبرون، ويعلمون أن مصرِّف ذلك كذلك هو الإله الذي لا يُعجزه شيء، ولا يتعذر عليه إماتة الأحياء، وإحياء الأموات بعد الممات.
وفي ذلك أيضًا دليل على النبوة؛ لأنه كما يُقلِّب الليل والنار لمنافع المكلفين، ففي بعثة الأنبياء منافع عظيمة للناس في دنياهم ودينهم. فما المانع إذًا من بعثهم إليهم، بل الحاجة إلى ذلك أمس.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} ؛ أي: إن فيما ذُكر لدلالة على قدرته على البعث بعد الموت، وعلى توحيده لمن آمن به، وصدَّق برسله، فإن من تأمل في تعاقبهما واختلافهما على وجوه بديعة مبنية على حكم تحار في فهمها العقول، ولا يحيط بعلمها إلا الله، وشاهد في الآفاق تبدل ظلمة الليل الحالكة المشابهة للموت بضياء النهار المضاهي للحياة، وعاين في نفسه تبدل النوم الذي هو الموت بالانتباه الذي هو مثل الحياة، قضى بأن الساعة آتية لا ويب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وجزم بأن الله جعل هذا دليلًا على تحققه، وأن الآيات الناطقة به حق، وأنها من عند الله سبحانه وتعالى.
قال حكيم: الدهر مقسوم بين حياة ووفاة، فالحياة اليقظة، والوفاة النوم، وقد أفلح من أدخل في حياته من وفاته. اهـ، فعلى العاقل أن يجدَّ في طريق الوصول، ليكون من أهل الوصال والحصول، ويتخلَّص من العذاب مطلقًا، فإن غاية العمر الموت، ونهاية الموت الحشر، ونتيجة الحشر إما السوق إلى الجنة، وإما السوق إلى النار، والمسوق إلى النار إما مؤمن عاص فعذابه التأديب والتطهير، وإما كافر مكذب فعذابه عذاب القطعية والتحقير.