{وَ} الحال أنكم {لَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا} ؛ أي: لم تعرفوا ببطلانها فتُعرضوا عنها، والواو للحال، ونصب {عِلْمًا} على التمييز، كما سيأتي؛ أي: أكذبتم بها بادي الرأي، جاهلين لها غير ناظرين فيها نظرًا يؤدي إلى العلم بكنهها، ولا مستدلين على صحتها وبطلانها، تمردًا وعنادًا وجراءة على الله وعلى رسله.
وفي هذا: مزيد توبيخ وتقريع لهم؛ لأن من كذب بشيء ولم يحط به علمًا فقد كذب في تكذيبه، ونادى على نفسه بالجهل، وعدم الإنصاف، وسوء اللهم، وقصور الإدراك، ومن هذا القبيل من تصدَّى لذم علم من العلوم الشرعية، أو لذم علم هو مقدمة من مقدماتها، ووسيلة يتوسل بها إليها، ويفيد زيادة بصيرة في معرفتها، وتعقل معانيها، كعلوم اللغة العربية بأسرها، وهي اثنا عشر علمًا، وعلم أصول الفقه، فإنه يُتوسل به إلى استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية، مع اشتماله على بيان قواعد اللغة الكلية، وهكذا كل علم من العلوم التي لها مزيد نفع في فهم كتاب الله وسُنة رسوله، فإنه قد نادى على نفسه بأرفع صوت بأنه جاهل مجادل بالباطل، طاعن في العلوم الشرعية، مستحق لأن تنزل به قارعة من قوارع العقوبة التي تزجره عن جهله وضلاله وطعنه على ما لا يعرفه ولا يعلم به، ولا يحيط بكنهه، حتى يصير عبرة لغيره، وموعظة يتعظ بها أمثاله من ضعاف العقول، وركاك الأديان، ورعاع المتلبسين بالعلم زورًا وكذبًا.
{أم} في قوله: {أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} هي المنقطعة، وقرأ أبو حيوة {أماذا} بتخفيف الميم، أدخل همزة الاستفهام على اسم الاستفهام على سبيل التوكيد والمعنى: بل أي شيء كنتم تعملون حتى شغلكم ذلك عن النظر فيها، والتفكر من معانيها، وهذا الاستفهام على طريق التبكيت لهم. يعني: لم يكن لهم عمل غير الجهل والتكذيب، والكفر والمعاصي، كأنهم لم يُخلقوا إلا لها، مع أنهم ما خُلقوا إلا للعلم والتصديق والإيمان والطاعة، يخاطبون بذلك تبكيتًا، فلا يقدرون أن يقولوا: فعلنا غير ذلك.