الوحي له حتى يرى بعين اليقين، وكلما تبصر الناظر في الآيات أبصر، وكلما أبصر
زاده الله إبصارًا، فكلما أغرق في ذلك أكسبه حياءً وإيمانًا، وحقق له صفاته، حتى أنه
ربما رأى ما أسمع وسمع ما رأى، فيرى بباطنه الغيوب ويشاهد بباطنه المكون،
كذلك يسمع الصوامت تهزج بالتسبيح، والجوامد تعلن بالشهادات لربها والتمجيد
والتحميد.
فإنه من ألقى سمعه إلى ما جاءه به الرسول، ومن ألقى ببصره إلى شواهد
الموجودات وتحقق الحق، يجري في مسالكه تولاه مولاه، ورفعه إلى سماع ما لا
يسمعه الغافلون، ورؤية ما لا يراه المعرضون؛ لذلك قال، وهو أعلم: (إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا
مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81) . أي: إنما يسمع الذكر من أحياه الله
بالإيمان، وحلاه بحلية الإسلام، وأذعن للحق، واقتفى واقتدى.
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ
النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82) . معنى قوله:"وقع القول عليهم"وجَبت
الحجة عليهم، ولم يكن عندهم نكير ولا حجة ينفصلون بها، مما ألزموه من الحق؛
كلزومه إياهم يوم نزول القرآن حين قررهم على الحق، فأقروا كقوله: (قُلْ لِمَنِ
الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ). ولا بد من
ذلك (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(88)
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) ولا بد من ذلك.
وكقوله في هذه السورة: أفمن يَخلق ولا يُخلق، ومن يَملك ولا يُملك، ومن
يَرزق ولا يُرزق أحق بأن يتّبع ويُعبد ويُخضع له، ويُطاع أمره بخالصة الوحدانية
أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ
بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) ثم أجاب نفسه ومن
تبعه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه - جواب الغالب في المناظرة المفلح في