خاطب به رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو خطاب لمن تبعه واقتدى به، والحق المبين هما
الوجودان الوحي والحق المخلوق به السماوات والأرض، وإنما أضاء الحق وبان
بالقرآن والوحي، فاعلم ذلك، ولذلك سماه مبينًا لموضع وحيه وهديه وكلامه، فإذا
كان يوم القيامة تجلى الحق المبين - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه - يسمو النشوء إلى
ذلك (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(147) .
وصف هذا الشأن بالنشء مجاز واتساع، وعلى ما هو الوجود عندنا في بادئ
الرأي، والتحقيق هو أن الحق ظهر فيما هَاهُنَا للعقول الصافية والقلوب المهدية،
واحتجب عمن سواهم، فإذا كان يوم الآخرة ظهر لأوليائه عيانًا كما يظهر يومئذ
جزاؤه على الإيمان به والطاعة له ولرسله، ويظهر جزاؤه للكافرين والمكذبين.
(يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ) أي: جزاءهم الظاهر للمهتدين في هذا الحق
المخلوق به السَّمَاوَات والأرض، ويومئذٍ؛ (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ) - جلَّ جلالُه - (هُوَ الْحَقُّ)
الظاهر لهم اليوم (الْمُبِينُ) للحق، والمحتجب اليوم عن الأبصار،
المحتجب عن قلوب الغافلين، كما يحتجب عنهم ظهوره يومئذٍ إلا إعلامًا منه لهم
بلقاء يعبر عنه بالوقوف والوقف، فعاد وصف النشء على المخلوق المربوب
المعبد، والحق بما هو الحق وصفه بالحجب والظهور ونحو هذا.
أتبع ذلك قوله: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ ...(80)
الموتى: هم الكفار والمكذبون، والصم: هم الجهال، فلو أقبلوا إلى الله وأذعنوا
للحق وسماع الوحي، فبالخيرات يتحصل لهم ما كتبه من السمع، فأمَّا من أدبر
وتولى تولى الله عنه بنعمته، وأعرض عنه بكرامته؛ جزاءً لنوليه وإعراضه، والله الغني
الحميد.
والصم؛ هم الذين لا يسمعون الوحي، ولا يقفون على حقيقته، والعمي: هم
الذين لا يرون الآيات في الأرض ولا في السماء ولا في أنفسهم وفيمن خلا من
المهلكين، إنما يسمع الرسول من آمن بالله وآياته، فكلما زاد من ذلك زاد إسماع