هذا الموضع عند هذا: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ
وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) . علم كل شيء قبل كونه، وأحاط بالوجود كله قبل
إظهاره كيف لا يكون كذلك، وهو يعلم نفسه سبحانه، وكل الوجود موجود عنه
ومنه وبه وله، فهو يعلم الوجود كله من وجوده العلي، ألا يعلم من خلق لذلك قدر
ما هو موجده قبل إيجاده.
قوله - عز وجل -: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ ...(66) . أضرب عن وصفهم
بقلة الذكر والعلم بقول: إنما يجتمع علمهم وذكرهم الحق في الآخرة، ادارك:
تلاحق واجتمع ونحو هذا، يتحصل العلم لهم يومئذٍ حين لا ينفعهم العلم، وقد
ضيعوه حيث كان ينفعهم، ويمكن أن يكون المراد بذلك الإخبار بأن علمهم اجتمع
في معرفة الآخرة، فهم بها جاهلون؛ أي: اجتمعوا في عدم العلم بها، والأول منتظم
الوجهين، يدل على صحة الوجهين قوله: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا) أي: اليوم، يعني:
الآخرة، ثم قال: (بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ) النمل:166 أي: اليوم أضرب أيضًا عن
وصفهم بالآخرة والعلم بها فيما هنالك، والشك فيما هَاهُنَا.
ووجه الوصف إلى ما هم عليه من العمى اليوم، وما الذي أعماهم عن الآخرة
بقوله: (بَلْ هُمْ مِنْهَا) يعني: الدنيا (عَمُونَ) أي: أسكرتهم الدنيا وأعمتهم؛ فتقدير
الكلام - وهو أعلم: بل ادارك علمهم في الآخرة، تجمع إليهم وتلاحق لهم، بل هم
اليوم في شك منها، بل هم من حب الدنيا وسكرتها عمون عن الآخرة وعن علم ما
ينفعهم علمه.
أتبع ذلك قوله: (أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا) إلى قوله: (وَيَقُولُونَ مَتَى
هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (71) . هذا منتظم بخطاب المجادلة التي تقدم
ذكرها ووصف المعاندين والعادلين بالله إلى قولهم: (إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ(68)
فكان الجواب لهم على ذلك من قولهم: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ
انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) .
أتبع ذلك ذكر قولهم: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(71)