الآخرة من عذاب الله، هذه شهادة الحق في الدنيا والآخرة وفي السماوات وفي
الأرض، وهو الحق المخلوق عليه السماوات والأرض، فأعلم ذلك بما اتصل بها
من شهادات ومباني إسلام وسعته وخصال إيمان، ومقتضيات أسماء وصفات،
فاعمل على ذلك وتطلبه، فهو الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم من
النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، أتم الله علينا وعليك نعمته بفضله
ورحمته.
ثم استأنف كلامًا خاطب به العرب وكفار الأمم فقال: (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ)
معناه، والله أعلم بما ينزل: أعبادة الله خير أيم عبادة ما تشركون من
دونه؟! كقوله: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى) .
ومعنى خطاب هذه الآيات محذوف مضمر دلَّ عليه ظاهرها، فمعنى:(أَمَّنْ
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) (أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا)
(أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) إلى آخر الآيات منتظم بالمفهوم من
معنى المفاضلة بين التعبدين، وبعد البون في استقامة العبادتين، وأي المعبودين
أحق بالوجه إليه والخضوع له.
يقول - عزَّ من قائل: أم من يَخلق ولا يخلق، وَيرزق ولا يرزق ويَهدي ولا يهدى
ويُدعى فلا يجيب، ومن يَملك ولا يملك أحق بأن تبع أمره، ويعمل بطاعته، ويتوجه
بالتعبد إليه والخضوع له، أم من خلق السماوات والأرض(وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا)؟!
ثم كذلك ينتزع لكل معنى استاقه ما شاكله، فالعجز والذل والهون والفقر وعدم
الهداية والإفلاس من يجلب النفع ودفع الضر وفقد الاستجابة والنصرة، ووصف
الموت وعدم الحياة لمعبوداتهم وآلهتهم الباطلة، والوصف العلي كله، والأسماء
الحسنى والصفات العلا لله وحده، ألا له الحق - سبحانه وتعالى - عما يشركون.
هو الذي يملك السمع والأبصار، ويملك الملك كله ظاهرًا وباطنًا عاجلاً
وآجلاً، ويعطي ويمنع ويقدم ويؤخر، لا إله إلا هو البهجة الحسن، عرض بذلك إلى